د. عمرو خالد يكتب: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله"

الثلاثاء، 30 يوليه 2019 03:13 م
اسليدر-د-عمرو


الله يحب العفو ويدعو إليه، لم يأت العفو في القرآن إلا بعد الذنوب والمعاصي الكبيرة كأنه اسم لغسل الذنوب الكبرى، فالذنوب الكبرى يقابلها اسم الله العفو، والعفو صفة من صفات رب العالمين، وهو من صفات الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين من الصحابة والتابعين والعلماء الربانيين ومن نهج نهجهم وسار على طريقهم إلى يوم الدين.

والعفو معناه أن الإنسان يستحق العقوبة ولم ينجه إلا عفو، وهو أبلغ من الكظم، لأنه لا يحمل فقط التنازل عن الحق، بل والعفو عمن يستحق العقاب لخطأ ارتكبه، وكما تحب أن يعفو الله عنك، فَلتَعْف عمن أساء إليك، وكما تحب أن يسامحك الله، فلتسامح غيرك؛ فإن الجزاء من جنس العمل.

 وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانًا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، من أجل أن يعفو الله عنه، ويستحق الأجر من ربه الكريم، كما قال تعالى: "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ".

لهذا كان العفو في مرتبة أعلى من العدل، لأن العدل جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، لكن العفو في مرتبة الفضل، الذي يتجاوز العدل إلى العفو والصفح، ففي تلك الحالة يتنازل الإنسان طوعًا عن حق له لدى آخر نظير ضرر مادي أو معنوي أوقعه عليه.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. فقال الله: كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: يا رب فليحمل من أوزاري. وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل من أوزارهم. فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر. فرفع فقال: يا رب أرى مدائن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق هذا أو لأي شهيد هذا؟ قال: لمن أعطى الثمن. قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب إني قد عفوت عنه. قال الله: فخذ بيد أخيك وأدخله الجنة.

والعفو من صفات عباد الله المتقين، فقال تعالى: "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

وقال تعالى: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهُ دعاه الله -عز وجل- على رُءُوس الخلائق حتى يخيِّره الله من الحور ماشاء". وقال ابن عباس رضي الله عنه: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
والعفو سبب للعز والرفعة في الدنيا والآخرة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
ولهذا كان الدعاء بطلب العفو من الله هو أفضل ما يدعو به العبد المؤمن ربه يوم القيامة:  "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا"، عندما تدعو الله تعالى بهذا الدعاء اجعل قلبك مليئًا بالثقة في نيل عفوه. 

توجه لربنا باسم العفو أمام الذنوب الكبرى في حياتك. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد ليلتمس مرضاة الله، فلا يزال بذلك، فيقول الله عز وجل لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه. فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السماوات السبع، فوضع له الرحمة في الأرض.
والعفو خلق نبوي كريم، فهذا يعقوب عليه السلام على الرغم ما فعله أبناؤه به من التحايل عليه وحرمانه ممن تعلق قلبه به وأحبه أشد ما يحب أب ابنه، فلم يتوعدهم بالقتل أو الضرب أو الويل والثبور، ولم يقاطعهم أو يقسم أن لا يكلمهم ما داموا على قيد الحياة.

لم يفعل شيئًا من ذلك ولا أقل منه وإنما قال: "بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ"،ثم جاءوا إلى أبيهم: "قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ"، فما كان جوابه إلا أن: "قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".

ويوسف عليه السلام على الرغم مما عاناه بسبب هذا الفعل من أخوته وبعد أن آثره الله عليهم ما كان منه إلا أن قال: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"، ليس عفو فحسب ولكن دعاء أن يغفر الله لهم ويتجاوز عنهم.

ففعل كما فعل أبوه من قبل، وهكذا تكون القلوب الزكية، ولك أن تتصور هذه القلوب الرحيمة إذا كانت بهذه المثابة مع من ظلمها وآذاها وجرحها فكيف سيكون حالها مع الآخرين.

وقد ضرب نبينا أروع الأمثلة في العفو حينما ذهب إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام، ولكن أهلها رفضوا دعوته، وسلطوا عليه صبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم يؤذونه صلى الله عليه وسلم هو ورفيقه زيد بن حارثة، ويقذفونهما بالحجارة حتى سال الدم من قدم النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل جبريل -عليه السلام- ومعه ملك الجبال، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في هدم الجبال على هؤلاء المشركين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهم، وقال لملك الجبال: "لا بل أرجو أن يُخْرِجُ الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا".


ومع ما فعل قومه به من الأذى والتشريد ومحاولة القتل والحروب المتعددة فقد مكنه الله تعالى منهم يوم الفتح الأكبر فدخل الكعبة وتجول في نواحيها وكبر وصلى ركعتين ثم خرج وقد احتشدت قريش في المسجد الحرام تنتظر الأمر منه صلى الله عليه وسلم وتترقب نزول العقاب ! فاخذ بعضدتي الباب وقام فخطب خطبة بليغة بيّن فيها كثيراً من الأحكام ثم قال: يا معشر قريش ماذا ترون إني فاعل بكم قالوا : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال: "لا تثريب عليكم اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فأي قلب أنقى وأطهر من هذا القلب صلوات ربي وسلامه عليه.

اجعل مشهد يوم القيامة في بالك عندما تدعو ربنا، ادعه وأنت في باب الرجاء والأمل والخشية من عظمته، فتفوز بعفوه وجنته ونعيمه الخالد الذي لا يفنى ولا ينقطع.


عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرضت على الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط والنبي ليس معه أحد حتى رفع لي سواد عظيم قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل بل موسى وقومه قيل: انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق ثم قيل لي انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء فإذا سواد يملأ الأفق قيل: هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب "ثم دخل ولم يبين لم؛ فأفاض القوم وقالوا: رنحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله فنحن هم أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام فإنا ولدنا في الجاهلية؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولايكتون وعلى ربهم يتوكلون "فقال عكاشة بن محصن: أمنهم أنا يا رسول الله ؟ قال نعم فقام آخر فقال إنا منهم يا رسول الله ؟ قال: "سبقك بها عكاشة".

اضافة تعليق