"الخيرة فيما اختاره الله".. قصص تكشف تحول الكرب إلى فرج

الأحد، 28 يوليه 2019 01:00 م
كيف ترضى بقضاء الله وتؤمن بابتلاءاته


يصيب اليأس الكثير من الناس نتيجة عد توفيقه في بعض المواقف، غير ملتفت إلى أن الأشياء التي يتباكى عليها ربما يكون عدم التوفيق فيها هو من قبل علم الله سبحانه وتعالى بأن الخير في غيرها.

فكم من أمر بذلت فيه الجهد وحاولت أن تناله بكل طاقتك، لكن منعه الله عنك لحكمة ما، فأصابك الهم والغم ، وبعد فترة شعرت أن هذا الأمر لم يكن فيه خيرًا لك ، فحمدت الله على صرفه عنك، وعرفت أن الخيرة فيما اختاره الله ، وليس فيما اخترته أنت.

 ومن ذلك فصل الله تعالى هذه القضية في القرآن قائلا: "فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)".


فإذا كان قرار الخِضْر عليه السلام بخرق السفينة إلهامًا وتوفيقًا من الله تعالى له, لم يعلم الحكمة من ورائه حتى سيدنا موسي عليه السلام ، فكيف نجعل من " فِقْهِ خَرْقِ السفينة " مَلَكَةً وحكمة تدبيرية يتدرب عليها الناس، لكي يرضو بما قسمه الله لهم.

 قال تعالى: "أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً" ( سورة الكهف:  79) .

ففي قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح ثلاث وقفات نختار منها : ركوبهما في سفينة المساكين الذين كانوا يعملون في البحر ، ولا يملكون إلا سفينة يحصلون على رزقهم من خلالها ، وكيف أشفق هؤلاء على موسى وصاحبه ونقلاهما في السفينة بدون أجرٍ ، فما كان من الرجل الصالح إلا أن قلع بعض أخشاب السفينة الظاهرة والتي لا تغرق السفينة بسببها ، وكان دافعه لذلك حفظ السفينة من أن تقع في يد الملك الظالم الذي يأخذ السفن الصالحة غصباً .



إن الاعتداء على ملك الغير بغير حقٍ من الأمور المحظورة شرعاً ، لكننا رأينا الخضر عليه السلام يهوي على السفينة بالخرق الذي هو في ظاهر الحال تعييبٌ ، وإلحاق الخسارة بأهلها ، ولما عاب موسى عليه ذلك وذكره بالجميل الذي أسداه إليهما أهل السفينة ، بين له أن المفسدة لم ترتكب إلا لما فيها من دفعٍ  لمفسدةٍ أعظم وهي غصب السفينة وذهابها جملةً ، حيث أن وراءهم ملكٌ يأخذ كل سفينةٍ صالحةٍ غصبًا.

ولاشك أن ارتكاب ضررٍ يسير في الحال إذا كان فيه دفع مفسدة أعظم في المآل ، يعتبر أمراً محموداً ، والشريعة جاريةٌ على ملاحظة النتائج ودفع المفاسد العظيمة المتوقعة في الآجل ، حتى وإن كان بارتكاب مفاسد أقل منها في الحال ، ثم إن مفسدة خرق السفينة وتعييبها يمكن تداركها بالإصلاح ، بينما ضياع السفينة إذا تحقق ، لم يتعلق بعودتها أمل .

 ولهذه الجملة قصة ذكرها الإمام ابن الجوزي رحمه الله ، وهي تحكي عن ملك كان له وزير صالح يرضى دائمًا بقضاء الله ، فما كان يحدث أمرًا خيرًا كان أو شرًا إلا وحمد الله ورضا بقضائه قائلًا الخيرة فيما اختاره الله.



 وذات مرة كان الملك يأكل بعضًا من الفاكهة ، وجرح إصبعه السكين ، فقال الوزير الصالح كلمته المعهودة (الخيرة فيما اختاره الله) ، فغضب الملك كثيرًا لهذا الأمر ، وقال أي خيرة في مكروه أصابني ، فقد جرح السكين يدي وسال منها الدم الكثير ، وأمر الملك بأن يجرد الوزير من منصبه ويزج به في السجن عقابًا له على فعلته.

وبعد أيام قليلة خرج للملك في رحلة صيد ، وأنساه الصيد مرور الوقت فابتعد كثيرًا عن بلده ، ودخل في أرض تعبد النار ، فلما رأوه أهل القرية أمسكوا به ، وقرروا تقديمه كقربان لألهتهم ، وكانت هذه عادة متبعة عندهم .

 ولما جردوه من ملابسه حتى يقذفونه في النار ، رأوا الجرح الغائر في إصبعه ، فاستبعدوه وأخلوا سبيله ، لأن من شروط القربان أن يكون سليمًا معافى ليس به شائبة ، واعتبروا الجرح في يده عيبًا ونقصًا فيه لذا تركوه ، فعاد إلى بلده وتذكر كلام الوزير أن الخيرة فيما اختاره الله.

وأمر بأن يؤتي بالوزير ويعاد إلى منصبه ، ولما رآه قال لقد عرفت الخيرة فيما حدث لي ، وأن الله اختار لي ما ينجيني من الموت ، أما أنت فما هي الخيرة من دخولك السجن ، فقال الوزير لو لم أدخل السجن لكنت جئت معك في رحلة الصيد ، وكنت سأكون أنا بديلك في النار، فأنا صحيحًا معافى ، كانوا سيتقربون بي لألهتهم ، وأحمد الله أنى كنت في السجن حينها ، فقد كان سجني خيرة اختارها الله لحمايتي من الوقوع في مثل هذا الموقف ، وهذه القصة توضح مدى رحمة الله تعالى ورفقه بعباده فهو دائما يختار لهم الخير.

اضافة تعليق