Advertisements

د. عمرو خالد يكتب: الرزق.. الدعاء والأخذ بالأسباب

الثلاثاء، 23 يوليه 2019 03:11 م
اسليدر-د-عمرو

من أجمل أنواع الذكر أن تذكر الخالق سبحانه بأسمائه الحسنى، فتقول: يا كريم أكرمني.. يا غني أغنني.. يا شافي اشف ابني.. يا نور نور صدري.. يارحيم ارحمني"، وعظم شيء أن تذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سؤل به أعطى.. فماهو اسم الله الأعظم؟

أحاديث كثير وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصيغ مختلفة عن اسم الله الأعظم، فيجد النبي رجلاً يدعو: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.. فيقول له: لقد دعوت باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سؤل به عطى.

ويجد النبي رجلاً آخر يدعو: يا حي يا قيوم برحمتك استغيث، فيقول له: لقد دعوت باسم الله الأعظم، وهناك حديث ثالث يقول إن اسم الله الأعظم هو "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، فأي اسم من هذه هو اسم الله الأعظم، خاصة وأنها كلها أحاديث صحيحة.. فكيف يكون ذلك وهو اسم واحد؟

الحقيقة أن اسم الله الأعظم هو ما وافق احتياجات في الحياة، لأن إحساسك به سيكون عظيمًا, وسوف تردده من داخلك ومن أعماق قلبك، تعلقًا بالخالق سبحانه، فالاسم الأعظم من جهة إحساسك أنت وأسماء الله كلها حسنى.

فعندما تكون مدينًا تسأل الله أن يسد دينك وأن يقضي لك حاجتك فادع: يا كريم.. يا غني يا رزاق. يا واسع، وعندما تكون خائفًا من هم كبير ادع: يا حي يا قيوم، وعندما تكون مشتاقًا لحب الله.. ادع: يا ودود أسألك ودك.. يا ودود أسألك حبك.

وقد ورد اسم الرزاق مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة الذاريات. في قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"، وإن كانت الإشارة إلى كونه سبحانه هو الرزاق الذي ينزل عطاؤه على عباده من أهل الأرض والسماء، من غير توقف ولا انقطاع، جاءت بصورة متعددة في القرآن.

عندما نزل قول الله تعالى "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ"، سمعها إعرابي يزور المدينة مرة كل سنة، فبكى فرحًا وسافر فلما رجع السنة التالية، نزلت بقية الآية "فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ"، فقال الرجل: ماذا فعلتم ليقسم لكم الله أن رزقكم مضمون؟

يقول "ابن القيم": ورزق الله لعباده نوعان: عام وخاص.

الرزق العام: هو ما يوصله لجميع المخلوقات مما تحتاجه في معاشها وقيامها، فسهل لها الأرزاق، ودبرها في أجسامها، وساق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبر والفاجر والمسلم والكافر، بل للآدميين والجن والحيوانات كلها، وعام أيضًا من وجه آخر في حق المكلفين، فإنه قد يكون من الحلال الذي لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون من الحرام ويسمى رزقًا ونعمة بهذا الاعتبار، ويقال (رزق الله) سواء ارتزق من حلال أم من حرام وهو مطلق رزق.

والرزق الخاص، هو وهو الرزق النافع المستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو الذي على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أيضًا قسمان:

رزق القلوب بالعلم والإيمان وحقائق ذلك، فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمة بالحق مريدة له متألهة لله متعبدة، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.


ورزق البدن بالرزق الحلال الذي لا تبعة فيه، فإن الرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، فينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى "اللهم ارزقني" أي ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهنيّ الذي لا صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه.

فالله سبحانه قدر الأرزاق لعباده قبل أن يخلقهم، والرزق له أجل محدد معلوم، لن يتأخر عن موعده، ولن يأتي قبل أن يأذن الله به.

عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه؛ أنه قال: "قالت أم حبيبة رضي الله عنها: اللَّهُمَّ مَتِّعني بزوجي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّكِ سألتِ الله تعالى: لآجالٍ مضروبةٍ وآثارٍ موطوءةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لا يعجل شيء منها قبل حله ولا يؤخر منها يوماً بعد حله، ولو سألت الله تعالى: أنْ يعافيك من عذابٍ في النار وعذابٍ في القبر كانَ خيرًا وأفضل".


والإنسان قد يمر بمرحلة في حياته يجد فيها صعوبة في تحصيل الرزق لأي سبب كان، وذلك ليس حرمانًا، فالله حاشاه أن يحرم أحدًا من الرزق، لكنه يدعوك إلى الأخذ بأسباب الرزق، بحسب التوكل عليه، والسعي لأجل، حركة وإيمانًا، فلا تخش ضياع رزق، والله قد كفله لك قبل أن تولد.

ومن الأسباب الإيمانية المعينة على تحصيل الرزق "تقوى الله"، والتقوى هو أن تراقب الله في كل تصرفاتك، فلا يراك إلا حيث أمرك،  قال تعالى: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا".

فالله سبحانه قدر خلقه ورزقهم قبل وجودِهم، وقدر أرزاقهم، ومما يضمنه الله للعبد أنه لن يموت حتى يستوفي أجله، فقط اطمئن وثق في الله، وهو لن يؤخر عنك رزقًا، ولن يحرمك إياه.

وفي الحديث عن جابر رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا الله وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ؛ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقوا الله وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ؛ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ".

وعن أبي أُمامةَ رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ رُوحَ القُدسِ نَفَثَ فِي رُوعي أَنَّ نفسًا لنْ تموتَ حتى تستكمِلَ أَجلَها وتستوعبَ رِزْقَها، فاتقوا اللهَ وأجْمِلُوا فِي الطلبِ، ولا يحمِلَنَّ أحدَكُم استبطاءُ الرِّزقِ أَنْ يطلبَهُ بمعصيةِ اللهِ، فإنَّ الله تعالى لا يُنالُ ما عندَهُ إلا بطاعتِهِ".

وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ".

وقد حصر الرسول صلى الله عليه وسلم الانتفاعِ في الرزق بقوله: "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ".

وما من عبد يلح على الله في الدعاء بأسمائه إلا وأكرمه الله بعطائه.. لأنك تسأله بأسمائه الحسنى.. ناده باسمه وكلك حب وثقة في عطائه. انظر كيف يرزق الله كل المخلوقات.. لأنه خلقها فهو القائم على رزقها "أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ".

اضافة تعليق