الدال على الخير كفاعله.. فقير ويوزع الذهب والفضة على غيره.. ما قصته؟

الثلاثاء، 23 يوليه 2019 12:02 م
من صنائع المعروف


ليس هناك ما هو أفضل في الحياة من أن تكون معينًا للفقراء والمحتاجين، ولو بالدلالة عليهم من أجل المساهمة في توصيل الحقوق إليهم.

وليس أفضل من هذا في أن تكون الباب الذي يفتحه الله سبحانه وتعالى ليرزق من خلاله هؤلاء الفقراء، وفي ذلك من طرائف المعروف التي تروى بين العرب أن أحد حكام مصر قديمًا استدعى يومًا الشعراء فصادفهم شاعر فقير في يده جره فارغة، وكان ذاهبًا إلى النهر حتى يملأها ماء، فرافقهم الشاعر الفقير إلى أن وصلوا إلى دار الأمير فبالغ الأمير حينها في إكرامهم.

ولما رأي الحاكم، الشاعر الفقير بينهم والجرة على كتفه رث الثياب فقال له حينها من أنت وما هي حاجتك؟، فأنشد الرجل قوله: "ولما رأيت القوم شدوا رحالهم إلى بحرك الطامي أتيت بجرتي".



فقال الأمير لحراسه املئوا له الجرة ذهبًا وفضة فحسده بعض الناس وقالوا: "هذا فقير مجنون لا يعرف قيمة هذا المال وربما أتلفه وضيعه"، فرد عليهم الأمير، وقال لهم هو ماله يفعل به ما يشاء وعندما خرج الرجل من دار الأمير فرق المال على جميع الفقراء.

 فلما بلغ الأمير بما فعل هذا الرجل، طلب الحراس أن يستدعوه ثم سأله عن سبب ما فعل فقال له الشاعر الفقير: "يجود علينا الخيرون بمالهم ونحن بمال الخيرين نجود".

وحينها أعجب الأمير بالجواب، وأمر بأن تملأ جرته عشر مرات ذهبًا وفضة، وقال الأمير إن الحسنة بعشر أمثالها وحينها أنشد الفقير ويقال إنها تنسب للإمام الشافعي:

الناس للناس ما دام الوفاء بهم .. والعسر واليسر أوقات وساعات

وأكرم الناس ما بين الورى .. رجل تقضى على يده للناس حاجات

لا تقطعن يد المعروف عن أحد .. ما دمت تقدر والأيام تارات

واذكر فضيلة صنع الله التي … جعلت إليك لا لك عند الناس حاجات

قد مات قوم وما ماتت فضائلهم .. وعاش قوم وهم في الناس أموات


ومن هذه القصة نستشرف عظمة النبي صلى الله عليه وسلم في سد حاجة الفقراء، فكان النبي لا يقصده فقير أو بائس إلا تفضل عليه بما لديه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى على أمته من الفقر، وكان يدرك أن الفقر الشديد فتنة كبيرة؛ لذلك كان يستعيذ منه فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ» وكان يقول أيضًا في دعائه: «اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ». ولشعوره بأزمة الفقر هذه، وما تُورِثُه في نفس الإنسان من ضعف، تحرك قلبه لهؤلاء الفقراء، مع أنه عاش حياته كفردٍ منهم.



وشملت رحمته صلى الله عليه وسلم كل الفقراء، حتى كان يعطيهم -على فقره- كل ما يستطيع أن يعطيهم، ويأمر أصحابه وأُمَّته برحمة الفقراء، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلا تُلامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى».

  وانظر إليه يُعلِّم أبا ذر رضي الله عنه -مع أن أبا ذر رضي الله عنه شديد الفقر- فيقول له: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ». وكان يأمر النساء أن يتصدقن على جيرانهن ولو بشيء قليل... قال صلى الله عليه وسلم: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ».

 ودعاه جابر بن عبد الله رضي الله عنه أيام الأحزاب إلى طعام قليل في بيته، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم -مع شدة جوعه- أن يذهب بمفرده، ولكن اصطحب معه المهاجرين والأنصار، وكانت معجزة أطعم فيها الجميع، وما رضي أن يشبع وشعبه جائع.


وروي جرير بن عبد الله رضي الله عنه فيقول: «جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة؛ فحَثَّ الناس على الصدقة؛ فأبطئوا عنه حتى رُئيَ ذلك في وجهه"، قال: "ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بصُرَّةٍ من وَرِقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عُرِفَ السرورُ في وجهه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».



وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: "والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء"، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهُنَّ مثل ذلك: "لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء"؛ فقال: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ»، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: فعَلِّلِيهم بشيء؛ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنَّا نأكل، فإذا أَهْوَى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئه. قال: فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ».



وما أبلغ ما رد به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين ذبحوا شاة ووزعوا منها معظمها، وقالت له أم المؤمنين: "ما بقى منها إلا كتفها"، قال بفهم عميق: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا».

اضافة تعليق