ابن عبدالسلام والملك الأشرف .. وهكذا تكون نصيحة العلماء للحكام .. زهد وإخلاص

الإثنين، 22 يوليه 2019 05:49 م
العز بن عبدالسلام وجهد واسع في الحفاظ علي الثوابت
سلطان العلماء ورع وعلم

كل معاصرو سلطان العلماء العز بن عبدالسلام وتلاميذه ومن بعدهم من العلماء والمصنفين أجمعوا على وصف العز بأنه كان ورعاً تقياً، بل شديد بالالتزام بالحلال والبعد عن الحرام، واجتناب الشبهات في أعماله وتصرفاته، وفي مناصبه ومواقفه، وفي كسبه ورزقه وإنفاقه، وفي عباداته ومعاملاته.

ولعل أكثر ما يدل علي ورعه وزهده أنه لم يجمع من الدنيا إلا القليل، فإذا عُرضت عليه أعرض عنها، وقصصه في ذلك كثيرة. منها: عندما انتهت محنته مع الملك الأشرف بدمشق، واقتنع الملك بعقيدة العز، أراد أن يسترضيه ويعوضه بالصلة والمال، وقال: "والله لأجعلنه أغنى العلماء".

العز من جانبه لم يأبه لذلك، ولم ينتهز هذه الفرصة لمصالحه الشخصية، فلم يقبل درهماً من الملك، بل رفض الاجتماع به لأمور شخصية أو مجاملات رسمية، كما اعتذر عن الاجتماع بالملك الكامل عندما قدم دمشق وطلبه إليه .

وعندنا آلم المرض بالملك الأشرف مرض الموت وطلب الاجتماع بالعز ليدعو له ويقدم له النصيحة، اعتبر العز ذلك قربة لله تعالى وقال: "نعم، إن هذه العبادة لمن أفضل العبادات، لما فيها من النفع المتعدي إن شاء الله تعالى"، وذهب ودعا للسلطان «لما في صلاحه من صلاح المسلمين والإسلام»،

سلطان العلماء لم يكتف بنصح الملك بل أمره بإزالة المنكرات، وطلب منه الملك العفو والصفح عما جرى في المحنة قائلاً: "يا عز الدين، اجعلني في حل"، فقال العز: «أما محاللتك فإني كل ليلة أحالِلُ الخلق، وأبيت وليس لي عند أحدٍ مَظْلمة، وأرى أن يكون أجري على الله".

وفي نهاية الجلسة أطلق له السلطان ألف دينار مصرية، فردّها عليه، وقال: هذه اجتماعة لله، لا أكدرها بشيء من الدنيا. ولما هاجر العز من دمشق وقد ناهز الستين، لم يحمل معه شيئاً من المتاع والمال. ولما استقال العز من القضاء عند فتواه ببيع الأمراء، خرج من القاهرة وكل أمتعته في الحياة مع أسرته حِمل حمار واحد، مما يدل على قناعته بالقليل، وزهده في المال والمتاع.

ولما مرض العز ابن عبد السلام وأحس بالموت، أرسل له الملك الظاهر بيبرس أن يُعيّن أولاده في مناصبه، وأن يجعل ولده عبد اللطيف مكانه في تدريس المدرسة الصالحية، فقال العز: "ما يصلح لذلك"، قال له: "فمن أين يعيش؟" قال: "من عند الله تعالى"، قال له: "نجعل له راتباً؟" قال: "هذا إليكم".

ومن المهم الإشارة إلي أن عبد اللطيف بن العز كان عالماً فقيهاً ويصلح للتدريس، ولكن ورع العز وزهده منعه من جعل منصب التدريس وراثة لأولاده. قال الداودي: «وكان كل أحد يضرب به المثل في الزهد والعلم

اضافة تعليق