قتلوه لعطشه.. ماذا فعل الماء في أصحابه؟

الإثنين، 22 يوليه 2019 11:06 ص
قتلوه لعطشه


جريمة بشعة هزت الضمير الإنسان في مجتمع مسلم، لا يتصور أن تقع هذه الجريمة فيه، بعد أن فقد مرتكبوها كل معاني الرحمة والإنسانية من أجل شربة ماء دفع ثمنها أحد المشردين العطشى ثمنها من دمه.

حادث يصيبك بالدهشة والجنون، في آن واحد، حينما تتعرف على هذه الجريمة التي شهدتها منطقة وسط القاهرة وأفجعت كل المارة وسكان المنطقة الصاخبة في قلب العاصمة المصرية، بعدما راح ضحيتها مشرد يقيم على الرصيف في منطقة عابدين المجاورة، يتجول في المساء بشوارع وسط القاهرة لالتقاط ما يسد رمقه سواء من المارة، أو أصحاب المحلات التجارية التي تعج بالمشترين في مساء هذا اليوم من كل أسبوع.

وبسبب درجات الحرارة العالية التي تجاوزت الأربعين في هذه الليلة، مع ارتفاع الرطوبة، اشتد العطش على المشرد الذي يعرفه أصحاب المحلات بحكم مروره عليهم يومياً، وهداه تفكيره لفتح ثلاجة سوبر ماركت بشارع عدلي وضعها أصحابها أمام السوبر ماركت على رصيف الشارع والحصول على زجاجة مياه .

وتناول المشرد المياه وسار في طريقه وكأن شيئًا لم يكن، مثلما اعتاد على أن يفعل مع أصحاب السوبر ماركت في المنطقة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا.

ليهرول صاحب "السوبر ماركت" واثنان من عماله خلف المشرد واقتادوه إلى المحل، ثم أدخلوه غرفة بالداخل فيما اعتقد المارة وأصحاب المحلات أنهم سيمنحونه مزيدًا من الأطعمة والمشروبات، ليفاجأ الجميع بعد نصف ساعة بخروج الثلاثة وهم يحملون المشرد الذي بدت عليه علامات الضرب المبرح والدماء تسيل منه بغزارة، ويلقون به بجوار أحد صناديق القمامة بالشارع، ليلقي حتفه في الحال.

اعتقد المارة أن المشرد فاقد للوعي فقاموا باستدعاء رجال الشرطة الذين اكتشفوا وفاته.

رجل دخل الجنة في سقيًا كلب

ومع هذا الحادث البشع، يعود حديث النبي صلى الله عليه وسلم في دخول رجل الجنة لمجرد أن سقى كلبا، يعود للذاكرة، فسقيا الماء من أعمال البر ، سواء كان للإنسان أو الحيوان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حَجة الوداع: "انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلاَ أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ. رواه مسلم.

 فتبريد الأكباد، وإطفاء حرارة الظمآن، من أعظم الأبواب التي تقود الإنسان للجنة، ومن أسباب تكفير الآثام، وهو باب عظيم لإذهاب الأسقام، وبه تكون الصدقة جارية عن النفس والْوَالِدَيْنِ والْوِلْدَان، بل أن الملايين من البشر يتبرعون بوضع مبرد المياه في الشوارع والطرقات، إيمانا بثواب الماء.

 هذا فضل سقي الماء، وتبريد الأكباد، بل إن أعظم ما ذكره الله في وصف الجنة إجراءُ الأنهار التي منها السِّقَاء والتلذذ، والشرب والإطعام، (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) [محمد:15].

بل إن الله -عز وجل- عذَّب أهل النار بحرمانهم من الماء، (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50]، قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: "وفي هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال".

 وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي اشتد به العطش في الصحراء، وبلغ به الظمأُ مبلغه، وهو يسير يتلمظ الماء، ويبحث عن السِقَاء، فإذا هو ببئرٍ في الصحراء فابتدرها ابتدار السَّبُع، فنزل فيها وشرب حتى ارتوى، فذاق العُذُوْبَة، وتلذذ بالماء، مع أن الماء لا طعم له على اللسان، إنما طعمه ولذته ببرودته على الأكباد.

 وعندما أذهب الله ظمأه، وأشفى غليله، خرج من البئر وهو يتذوق طعم الحياة، وكأنه لن يموت، فخرج وهو ينظر للحياة بنظرة أخرى قبل نزوله للبئر.

 وعندما كان يُقلب طرفه في الفضاء إذ بكلبٍ يَلْهَثُ مِنَ شدة الْعَطَشِ، يأكل التراب بحثًا عن الماء، فَتَأمَّل هذا الرجل في هذا المشهد، وقال: "لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي"، مع أن الكلب دابة نجسة الريق، لكنها خلق من خلق الله -عز وجل- ذات كبد رطبة، فرجع إلى البئر، ولكنه لم يجد ما يجعل الماء فيه، فهداه الله لِخُفِّه فملأه، وجاء إلى الكلب ثُمَّ سَقَاه، فشرب الكلب وهو يسابق نفسه.

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟! قَالَ: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" متفق عليه.

 بل الأعجب من هذا ما جاء في الصحيحين من أن امرأةً زانية سقت كلبًا فغفر الله لها، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ -أي: يدور حول بئر- قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ؛ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا -أي: خُفّها- فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ". فيا لله! كم من نفحات لله لا يعلمها إلا هو جعلها للرحماء المخلصين من عباده.

ولا شك أن سقيا الماء في الحر من أعظم أعمال البر، جاء في تفسير القرطبي قول بعض التابعين: "من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء".

ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: "أَيّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ" رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
واعلم أن من أعظم الصدقات سقي الماء وإجراءه، جاء سعد بن عبادة -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم"، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سَقْيُ الْمَاء" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

ومن فوائد سقي الماء، أَنَّه سببٌ لعلاج الأمراض، وشفاء الأسقام، بإذنه -سبحانه-، يقول ابن شقيق: "سمعت ابن المبارك وسأله رجلٌ عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سَبْعِ سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع بما أعطوه، فقال له ابن المبارك: اذهب فاحفر بئرًا في مكان يحتاج الناس فيه إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ بإذن الله" أخرجه البيهقي في الشعب. فقد كان سقي الماء من هذا الرجل سببًا لشفائه بعد إذن الله -سبحانه وتعالى-.

 وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من البخل بالماء، أو منعه عمن يحتاجه، أو حبس فضل الماء عن زرع غيره، فإن فعل فإنه إذن من الآثمين، الموعودين بغضب رب العالمين، والمطرودين من رحمته التي وسعت كل شيء، يقول-صلى الله عليه وسلم-: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -وذكر منهم- وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ" رواه البخاري.

 وعند البخاري أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ -وذكر منهم- وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ" متفق عليه.

(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ:39].

ومن وسائل سقي الماء، السعي في حفر الآبار في الأماكن التي يحتاج إليها الناس، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ حَفَرَ مَاءً لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرَّى مِنْ جِنٍّ وَلاَ إِنْسٍ وَلاَ طَائِرٍ إِلاَّ آجَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وتوفير المضخات لتنقية المياه لتكون صالحة للشرب بدلاً من شرب المياه الآسنة كما في بعض الدول الفقيرة، ووضع الماء في المساجد، أو الأسواق، أو الطرق، وتعاهده، بل وعند البيوت، ولها أثر في حفظ البيت من السرقة لبركة الصدقة، ولكثرة الشاربين؛ جاء في "الترغيب والترهيب" أن الإمام الحاكم أصابته قرحة في وجهه قريبًا من السنة، فتصدق على المسلمين بوضع سقاية على باب داره، فشرب منها النَّاس، فما مر عليه أُسبوع إلا وظهر الشفاء، وعاد وجهه أحسن ما كان، وبرئ بإذن الله، وحمل الماء في السيارة وتوزيعه على من يحتاجه.

اضافة تعليق