تأملات"نفسية" في "لو عدته لوجدتني عنده"

ناهد إمام الأحد، 21 يوليه 2019 09:45 م
3075

مثل كثير من الناس أحفظ عن ظهر قلب حديث ربنا القدسي عن "عيادة المريض"،  « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِى فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ .... »،   ومثل كثير منهم أيضًا قرأت عن فضل هذا الأمر، لكنني وللمرة الأولى "أتأمل" كلماته، واستبصر معانيه، فداهمتني مشاعر الندم على أنني تأخرت هكذا كثيرًا، ولم أنفذه كما يجيب مع أصدقائي ومن أعرف بعد كل هذا العمر الطويل.

ومرة أخرى جلست أتأمل كيف حولتنا وسائل التواصل الاجتماعي إلى كائنات مشوهة، وكسولة، وافتراضية، لديها  غباء عاطفي واجتماعي عظيم!

العيادة،  لقاء وجهًا لوجه، سيختلف مع المريض ومن يعوده،  الإحتضان،  الطبطبة، الابتسامة، نظرة العين الحانية، الصوت، الشد على الأيدي، إن هذه الأجواء لا تقارن أبدًا بعيادة افتراضية.

العيادة، عود على عود، فأنت تهتم وتزور وتعاود السؤال والإهتمام ولا تجافي حتى تطمئن، فقد لا تطيب نفس المريض بسؤال عابر عن حاله، لذا كانت المتابعة تسلية لنفسه المنكسرة، وتخفيفا عليها من مشقة قيود المرض، بل إن كل خطوة في طريقه له فيها أجر وكل لحظة في بقائه بجواره له فيها أجر، قال « مَنْ أَتَى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ عَائِدًا مَشَى فِي خِرَافَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ فَإِنْ كَانَ غُدْوَةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ ».

 (مرضت ولم تعدني)،  ( لو أنك عدته لوجدتني عنده)، يا الله، ترى ماذا يمكن أن يستخدم للترغيب في عيادة المريض أكثر من هذا؟!

إنه اللطيف الذي يعلم من خلق، هو اللطيف الخبير، يعلم أن هذا الأمر مهم، وليس لعبًا ولا رفاهية،   نعم،  عيادة المريض إشباع لاحتياج نفسي مهم اسمه ( الاهتمام)،  هذا الإشباع يساعد على (التعافي)،  فيقول له أنا هناك،  تعال!!

فالمريض منكسر النفس ضعيف القوى فُقدت في عينيه زينة الدنيا، ورأى منها ما لم يكن قد أردك من قبل، لذا كان في عيادته عظيم الفضل وكبير الأجر، لأنها تجبر قلبه، وتواسيه في محنته، والبشر في الابتلاءات يستقوون بمن يساندهم مشاقها، ومن يخفف عنهم عناؤها.

تعال، فهل هناك من هو أفضل مني –سبحانه وبحمده-  إنه يعرف أن الإنسان يذهب لمن لديه مصلحة دنيوية ما،  يذهب إلى وجهة تسعده، تدر عليه سعادة ما معنوية كانت أو مادية، وأي من ذلك يتوافر عند المريض، الضعيف ؟! لاشيء!!

ولأنه"لاشيء"، فلابد أن يرغبه بأقصى درجات الترغيب ليفعل ( أنا هناك)،  ثم التسلية الأعظم للمريض،  أنا (عندك )، أنا ملوك الملوك،  الرحمن الرحيم أنا معك وعندك !!

أنا معك وعندك فلا تبتأس،  اهتم بك أحدهم أو لم يهتم،  أنا عندك،  أنا معك!

عيادة المريض دعوة أيضًا لإشباع احتياج نفسي آخر مهم وهو (التقدير)، فأسوأ رسالة سلبية نفسية من الممكن أن تصل المريض أنه أصبح بلا فائدة،  بلا قيمة،  همل،  سقط متاع "حاجة مرمية على السرير" عاجز عن النفع لنفسه أو لغيره، فيشعره رب العالمين أنه حتى ولو لم يعدك أحد،  لم يقدرك أحد،  فأنا عندك لأنني أقدرك،  فهل هناك تقدير أجل وأعلى من هكذا تقدير؟!

هل هناك أعظم .. أجمل .. من هذا كله؟!
اللهم.. لا.

اضافة تعليق