Advertisements

دروس وقيم عظيمة من "خطبة الوداع".. تزود بها حتى يكتمل إسلامك

السبت، 20 يوليه 2019 03:07 م
من وحي خطبة الوداع


ألقى النبي صلى الله عليه وسلم "خطبة الوداع"، وجمع فيها خصال الخير أمام أكثر من مائة ألف من المسلمين، خلال مناسك الحج، يوم عرفة على جبل الرحمة.

وقد نزل فيه الوحي مبشرًا أنه "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا".

 وجعل الله الحج من أوضح عبادات الإسلام التي يتجلى فيها اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به، وإظهار البراءة من المشركين ومخالفتهم.

ومن أهم الأشياء التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين في حجة الوداع:

 التوقف عند حدود الله عز وجل: الوقوف عند حدود الله تعالى غاية التقوى ودليل صدق الإيمان وعلامة كمال العبودية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بحدود ربه، وأتقاهم له، وأكثرهم تعظيماً لحرماته، وقد لاح ذلك في الحج في مواقف شتى، منها: عندما لم يُحِلَّ من إحرامه مراعاة لأصحابه؛ لأنه ساق الهدي؛ وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق الهدي من أصحابه بأن يحلوا إحرامهم ويجعلوا حجهم عمرة؛ فتأخروا في ذلك ظناً منهم أنه لم يعزم عليهم في ذلك وإنما أبان لهم الجواز، وقال بعضهم معبراً عن عدم رغبته في الحل من الإحرام: "نأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني" فقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم حين بلغه ذلك فقال: «قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا».

  الاستكثار من الخير ومباشرته، والتزود من التقوى والتسابق في الخيرات، فقال عز وجل: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة:197]، وقد كان هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج وديدنه فيه، ومن المظاهر الدالة على ذلك، حرصه صلى الله عليه وسلم على المجيء بمستحبات النسك كالاغتسال للإحرام والتطيب عند الإهلال به وعند الخروج منه والإكثار من التلبية والجهر بها حتى رمي جمرة العقبة  والدعاء على الصفا والمروة، والذكر عند استلام الركنين ورمي الجمار.



الاعتدال: من أبرز أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم وما تجلى من خلقه في الحج التوازن والاعتدال، وكراهية الإفراط والتفريط.

ولعل الذي يعنينا من ذلك في حاله مع ربه عز وجل أمران: الأول: اعتداله صلى الله عليه وسلم وموازنته بين العناية بنفسه من خلال قوة صلته بربه من جهة، وبين التعليم لأمته وقيادتها، والرعاية لزوجاته والحنو على أهل بيته من جهة أخرى ، واعتداله صلى الله عليه وسلم وموازنته بين كل من حقوق روحه وجسده؛ إذ في ذلك الجو الإيماني المهيب الذي قد يدفع الكثيرين إلى التفريط في حق الجسد والإفراط في حق الروح نجده صلى الله عليه وسلم معتنياً بجسده غاية العناية؛ إذ صعد يوم التروية إلى منى ليقرب من عرفة، ونام ليلة عرفة ومزدلفة، وأفطر يوم عرفة، وترك ليلةَ جَمْع صلاة النافلة، واستظل فيه بقبة من شعر ضُرِبت له قبلُ ، وركب في تنقلاته بين المشاعر، وأثناء قيامه ببعض أعمال الحج ، واتخذ صلى الله عليه وسلم من يخدمه ويقوم بأمره.

التعليم: بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم "معلماً ميسراً"، وقد بلغ الغاية في ذلك، فشهد له الناس بأنه ما رأى الخلقُ "معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه"،  ومن تأمل حَجَّه صلى الله عليه وسلم وجد أنه هو ذلك المعلم الموصوف بعينه؛ إذ أمر صلى الله عليه وسلم بأن يؤذن قبل الحج في الناس بأنه صلى الله عليه وسلم يريد الحج ليسهل على من يريد مرافقته السفر معه، فقدم المدينةَ بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتم به ويأخذ عنه ، فاختلط بالناس وأشرف لهم، وبرز طوال الموسم ، وحرص صلى الله عليه وسلم على البلاغ وإقامة الحُجَّة على الخلق فحفزهم على التعلم، وشحذ هممهم، وشد انتباههم إلى ما يقول ويفعل بتنويع أساليب الخطاب وطرق التعليم، وأمره لهم بأخذ المناسك عنه لاحتمال أن تكون حَجَّته الأخيرة ، ومطالبته إياهم بالشهادة له بالبلاغ؛ إذ مراراً ما خاطبهم بعد أن يتم تعليمهم قائلاً: «ألا هل بَلَّغت؟».

 الإفتاء: من أهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم والأعمال التي تقلب فيها مع الناس في الحج تبيين المشكل عليهم من الأحكام والجواب عن استفساراتهم، ومن أشهر فتاويه صلى الله عليه وسلم في الحج "أن امرأة من خثعم قالت: "يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فحُجي عنه»  وقوله صلى الله عليه وسلم لكل من سأله عن التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر: «افعل ولا حرج»، ومنها: حرصه صلى الله عليه وسلم على الإقناع لمن يستفتيه كقوله صلى الله عليه وسلم لرجل قال له: "يا رسول الله! إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته، أفأحج عنه؟" قال: «أرأيت لو كان عليه دين فقضيته عنه أكان يجزيه؟» قال: "نعم". قال: «فاحجج عن أبيك»، ومنها: صبره صلى الله عليه وسلم على السائلين واحتماله لأذاهم مع الرفق والرحمة بهم.

الوعظ: كان للنبي صلى الله عليه وسلم في الوعظ اليد الطولى والقدح المعلى؛ إذ بعثه الله مبشراً ونذيراً، فأرشد أمته إلى الخير ورغبها فيه، ونهاها عن الشر ورهَّبها منه. وفي الحج كان للوعظ والتوجيه ميدان فسيح ووجود ظاهر، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد التذكير ببعض القواعد والأمور الهامة، وقد تناول وعظه صلى الله عليه وسلم موضوعات عدة كان من أهمها: التزهيد في الدنيا؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم قبل الغروب بعرفات: «أيها الناس! إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه»، ومنها: الأمر بالتقوى والدلالة على ما يُدخِلُ المرءَ الجنةَ؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم؛ وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم».



 توحيد الأمة، وتحذيرها من الفتن ودواعي الافتراق: كان الحج بما يحمل في طياته من وحدة بين أفراد الأمة في الشعور والمشاعر فرصة سانحة لتوحيد الأمة وتحذيرها من الفتنة ودواعي الفرقة، وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر وأولاه عنايته، وقد أخذ ذلك الاهتمام مظاهر شتى من أبرزها: تسويته صلى الله عليه وسلم بين أفراد الأمة، وعدم تمييزه بينهم إلا بالتقوى؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم واحد، وأباكم واحد؛ ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى» ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن يقيم كتاب الله عز وجل، ولزوم الجماعة والنصح للأئمة؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إن أُمِّر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا»، ومنها: تحذيره صلى الله عليه وسلم من الاستجابة لتحريش الشيطان؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم، ومنها: نهيه صلى الله عليه وسلم عن الابتداع في الدين؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم محذراً أمته: «ألا وإني مستنقِذٌ أناساً، ومستنقَذٌ مني أناس فأقول: يارب أصيحابي ! فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، و نهيه صلى الله عليه وسلم عما يسبب الفرقة ويؤدي إلى الفتنة في المجتمع المسلم كالاقتتال؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم بعد أن استنصت الناس: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض».



التربية على الاتباع وتوحيد مصدر التلقي، فالإسلام هو الخضوع والذل لله وحده والإذعان لما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تثبت قدم أحد فيه ما لم يسلِّم لنصوص الوحي، وينقاد إليها ولا يعترض على شيء منها، والحج آية في الانقياد ومدرسة في التسليم والاستسلام، ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم فيه أصحابه رضي الله عنهم على توحيد متابعته، وغرس في نفوسهم ضرورة التأسي به. يقول جابر رضي الله عنه واصفاً الحال: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه القرآن ينزل، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به" .

 فأنتجت تلك التربية العظيمة ثمرات يانعة مباركة. ومظاهر تربيته صلى الله عليه وسلم في الحج لأصحابه رضي الله عنهم على المتابعة والاقتصار في الأخذ والتلقي على نصوص الوحي كثيرة، من أبرزها: مطالبته صلى الله عليه وسلم الحجيج في مواطن عدة خلال الموسم بالتأسي به وتحفيزه إياهم على ذلك بذكر احتمال أن تكون حجته تلك آخر حجة له؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم مرا، ومنها: حثه صلى الله عليه وسلم الناس في خطبته يوم عرفة على الاعتصام بالتنزيل والتمسك به؛ لأن ذلك طريق الوقاية من الزيغ والضلال؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله»، ومنها: تحذيره صلى الله عليه وسلم أمته من اتباع الأهواء والابتداع في الدين؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم وهو واقف على ناقته بعرفات: «ألا وإني فرطكم على الحوض، وأكاثر بكم الأمم؛ فلا تُسوِّدوا وجهي، ألا وإني مستنقِذ أناساً ومستنقَذ مني أناس، فأقول: يا رب أصيحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».

 القيادة الناجحة والمعاملة الحسنة: جمَّل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بكمالات الأخلاق، وزيَّنه بأجل الآداب، فامتلك لذلك مقومات القيادة الناجحة والأساليب المثلى للمعاملة الحسنة، فهوت لذلك إليه الأفئدة، وتدافع عليه الناس حين بلغهم عزمه على الحج كل يريد السير في رعايته وتحت لوائه، فحج معه أكثر من مائة ألف إنسان،  فأثر صلى الله عليه وسلم في نفوسهم أعمق تأثير، ووجههم أحسن توجيه، وقادهم أعظم قيادة عرفتها البشرية.

تيسيره وعدم تحميله للناس فوق ما يطيقون، سواء من جهة أعمال النسك أو من جهة قيادته الحجيج وتوليه أمرهم، وهذا جلي لمن تأمل سيرته صلى الله عليه وسلم في الحج باختياره صلى الله عليه وسلم للأيسر دوماً؛ كما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم من لم يَسُقِ الهدي من أصحابه رضي الله عنهم بالحل، وجمعه صلى الله عليه وسلم للصلوات في عرفة ومزدلفة، وقصره للصلاة بمنى، ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم بالرفق بأنفسهم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين رأى رجلاً يسوق بدنة وهو يمشي: «اركبها»، فقال: "إنها بدنة"، فقال: «اركبها»، قال: "إنها بدنة"، قال: «اركبها ويلك في الثالثة أو في الثانية» .

حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تنقية آل بيته رضي الله عنهم من المعاصي، وتصفيتهم من المنكرات؛ فكان إذا وقع أحدهم في منكر أنكر عليه، وصرفه عنه، ومن ذلك إنكاره صلى الله عليه وسلم العملي على الفضل بن العباس رضي الله عنهما النظر إلى المرأة الخثعمية التي جاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ومنعه له من الاستمرار في ذلك، بل إنه صلى الله عليه وسلم جعل من آل بيته في هذا الجانب قدوة للناس، ومن ذلك حين قام صلى الله عليه وسلم خطيباً في وسط الناس بعرفة فقال: «ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله».


اضافة تعليق