مملكة سبأ ..كانت قوة عظمى فأعرضت عن شكر نعم الله فكان هذا جزاؤها

الثلاثاء، 16 يوليه 2019 09:06 م
shutterstock-1064241734
حضارة سبأ كان مصيرها الهلاك والانتهاء لأنها كفرت بأنعم الله

قصة قوم سبأ تعتبر من القصص التي نأخذ منها العبرة والعظة من هلاك الأقوام والأمم السابقة التي كفرت بأنعم الله فهلكت وتدمرت حضارتها، حتى أن المولى عز وجل أفرد لها سورة باسمها في القرآن الكريم وهي سورة سبأ.

قال تعالى في كتابه العزيز : ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِم آيةٌ جَنَّتاَنِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْناَهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ) (سبأ: 15-16).

ويعتبر مجتمع سبأ واحداً من أكبر أربع حضارات عاشت في جنوبي الجزيرة العربية، ويعتقد أن هؤلاء القوم قد أسسوا مجتمعهم ما بين 1000-750 قبل الميلاد، وانهارت حضارتهم حوالي 550 بعد الميلاد، بسبب الهجمات التي دامت قرنين والتي كانوا يتعرضون لها من جانب الفرس والعرب ، وبقي تاريخ نشوء حضارة سبأ موضع خلاف حتى الآن، فالسبئيون لم يشرعوا بكتابة تقاريرهم الحكومية حتى سنة 600 قبل الميلاد، لذلك لا يوجد أي سجلات سابقة لهذا التاريخ، بحسب ما ذكره الكاتب التركي هارون يحي في مقال له.

ويعود أقدم المصادر التي تشير إلى قوم سبأ إلى سجلات الملك سيرجون الثاني الآشوري الحربية (722-705 قبل الميلاد)، في تلك السجلات يشير الملك الآشوري في سجلاته التي دون فيها الأمم التي كانت تدفع له الضرائب إلى ملك سبأ "إيت عمارا". هذا أقدم مصدر يشير إلى الحضارة السَّبئية، إلا أنه ليس من الصواب أن نستنتج أن هذه الحضارة قد تم إنشاؤها حوالي 700 قبل الميلاد فقط اعتماداً على هذا المصدر الوحيد، لأن احتمال تشكل هذه الحضارة قبل ذلك وارد جداً، وهذا يعني أن تاريخ سبأ قد يسبق هذا التاريخ. ورد في نقوش أراد نانار، أحد ملوك مدينة أور المتأخرين، كلمة "سابوم" والتي تعني "مدينة سبأ"، وإذا صح تفسير هذه الكلمة على أنها مدينة سبأ، فهذا يعني أن تاريخ سبأ يعود إلى 2500 قبل الميلاد.

قوة عظمى
وتقول المصادر التاريخية التي تتحدث عن هذه الحضارة: إنها كانت أشبه بالحضارة الفينيقية، أغلب نشاطاتها تجارية، لقد سيطر هؤلاء القوم على الطرق التجارية التي تمر عبر شمالي الجزيرة، كان على التجار السبئيين أن يأخذوا إذناً من الملك الآشوري سيرجون الثاني حاكم المنطقة التي تقع شمالي الجزيرة، إذا ما أرادوا أن يصلوا بتجارتهم إلى غزة والبحر المتوسط، أو أن يدفعوا له ضريبة على تجارتهم، وعندما بدأ هؤلاء التجار بدفع الضرائب للملك الآشوري دُوِّنَ اسمُهُم في السجلات السنوية لتلك المنطقة.

يعرف السبئيون من خلال التاريخ كقوم متحضرين، تظهر كلمات مثل "استرجاع"، "تكريس"، "بناء"، بشكل متكرر في نقوش حكامهم، ويعتبر سد مأرب الذي كان أحد أهم معالم هذه الحضارة، دليلاً واضحاً على المستوى الفني المتقدم الذي وصل إليه هؤلاء القوم؛ إلا أن هذا لا يعني أنهم كانوا ضعفاء عسكرياً، فقد كان الجيش السبئي من أهم العوامل التي ضمنت استمرار هذه الحضارة صامدة لفترة طويلة.

كما كان الجيش السبئي من أقوى جيوش ذلك الزمان، وقد ضمن لحكامه امتداداً توسعياً جيداً، فقد اجتاحت سبأ منطقة القتبيين، وتمكنت من السيطرة على عدة مناطق في القارة الإفريقية، وفي عام 24 قبل الميلاد وأثناء إحدى الحملات على المغرب، هزم الجيش السبئي جيش ماركوس إيليوس غالوس الروماني الذي كان يحكم مصر كجزء من الإمبراطورية الرومانية التي كانت أعظم قوة في ذلك الزمن دون منازع، يمكن تصوير سبأ على أنها كانت بلاداً معتدلة سياسياً، إلا أنها ما كانت لتتأخر في استخدام القوة عند الضرورة.. لقد كانت سبأ بجيشها وحضارتها المتقدمة من" القوى العظيمة"في ذلك الزمان.

لقد ورد في القرآن ذكر جيش سبأ القوي، وتظهر ثقة هذا الجيش بنفسه من خلال كلام قواد الجيش السبئي مع ملكتهم كما ورد في سورة النمل:
(قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ) (النمل: 33).

مأرب المزدهرة
كانت مأرب هي عاصمة سبأ، وكانت غنية جداً، والفضل يعود إلى موقعها الجغرافي، كانت العاصمة قريبة جداً من نهر الدهنا الذي كانت نقطة التقائه مع جبل بلق مناسبة جداً لبناء سد، استغل السبئيون هذه الميزة وبنوا سداً في تلك المنطقة حيث نشأت حضارتهم، وبدؤوا يمارسون الري والزراعة، وهكذا وصلوا إلى مستوى عال جداً من الازدهار. لقد كانت مأرب العاصمة من أكثر المناطق ازدهاراً في ذلك الزمن. أشار الكاتب الإغريقي بليني ـ الذي زار المنطقة وأسهب في مدحها ـ إلى وقال أنها أراضي واسعة وخضراء.
وسبأ اسم رجل وهو “عمرو بن عامر” ويلقبونه ب “مُزَيْقياء” وابوه “ماء السماء”
وقد سُئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فروة بن مسيك رضي الله عنه “سألت رسول الله أخبرني عن سبأ ما هو أرض او امرأة؟”
فقال صلى الله عليه وسلم ” ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من الولد فتيامن ستة وتشاءم اربعة فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة واما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار”
فقال الرجل: يا رسول الله وما انمار؟
قال: “الذين منهم خثعم وبجيلة”
تيامنوا : سكنوا اليمن    تشاءموا: سكنوا الشام
سد مأرب

الذين كانوا باليمن هم قوم بلقيس فكروا في بناء سد يحفظ مياه المطر لان المطر بعد نزوله كانت تتشربه الارض ويتسرب فأرادت الملكة بلقيس الاحتفاظ بالماء فبنت بين جبلين سدًا يحجز الماء في الوادي وعملت له عيون يأخذون منها الماء على قدر حاجتهم.


وذهب سبأ الى عرافة اسمها “طريفة” فأخبرته ان السد الذي بنته بلقيس سيخرب وان الماء سيغرق كل شئ فعليك ان تفر الان وتخرج الى الحجاز ففعل .
فخرج الغساسنة الى الشام والمناذرة الى العراق وانمار الى المدينة والازد الى عمان وانتشروا في الجزيرة العربية.
 وبلغ ارتفاع سد مأرب 16 متراً وعرضه60 متراً وطوله 620 متراً، وهذا يعني حسابياً أنه يمكن أن يروي 9600 هكتاراً من الأراضي، منها 5300 في السهل الجنوبي، والباقي للسهل الشمالي، كان يشار إلى هذين السهلين في النقوش السبئية "مأرب والسهلان" و يشير التعبير الدقيق في القرآن: (جَنَّتاَنِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ) إلى وجود حدائق وكروم في هذين الواديين أو السهلين، لقد أصبحت المنطقة أكثر مناطق اليمن غنىً وإنتاجاً بفضل السد ومياهه. أثبت الباحثان: الفرنسي ج. هوفلي والنمساوي غلاسر أن سد مأرب قد أوجد منذ زمن بعيد. وتروي الوثائق المكتوبة بلغة "حِمْـيَر" أن هذا السد قد جعل المنطقة في غاية الخصوبة والعطاء.
وقد تم إصلاح هذا السد خلال القرنين الخامس والسادس للميلاد، إلا أن هذه الإصلاحات لم تمنع السد من الانهيار عام 542 للميلاد. انهار السد بسبب سَيل العَرِمِ الذي ذكره القرآن الكريم، والذي سَبَّبَ أضراراً بالغة، لقد هلكت كل البساتين والكروم والحدائق ـ التي بقي السبئيون يرعونها لعدة قرون ـ على بَكْرَةِ أبيها، بعد انهيار السد عانى السبئيون من فترة ركود طويلة لم تقم لهم قائمة بعدها... وهذه كانت نهاية القوم التي بدأت مع انهيار السد.

نعم الله على سبأ
من النعم التي أنعمها الله على سبأ واهلها:
   (1)  “لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِم آيةٌ جَنَّتاَنِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ” سورة سبأ
سبأ كما ذكرنا اسم رجل وقد سُميت قبيلته باسمه ثم تعدى الاسم الى المكان الذي يسكنون فيه ومن الاية السابقة نعرف ان الله وضع معجزة او اية في هاتين الجنتين بحيث لا تجد فيهما عقربا ولا حية ولا ذبابة ولا برغوث ومن دخلهما وفي جسمه اي حشرة الا وماتت
   (2) “أَفَرَأَيْتُم مّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ” سورة الواقعة
نعرف جميعًا ان البساتين تحتاج الى خدمة قليلة للعناية بها اما هذه الاية على سبأ تثبت لهم الحرث فقط والزارع هو الله ففي جنتي اهل سبأ كل شء من الله وليس لهم عمل ابدًا وقد خصها الله بالجو الجميل لا حر ولا قر ولا زهد في نعمة لتكرارها لان فيها الوانًا شتى من الفواكه
يعني ان كل عملكم ليس ان تتعبوا في هذه الجنان من اجل ان تستمتعوا بخيرها ولكن كل ما عليكم ان تشكروا الله على الخير الذي وهبه اياكم كما انه يجب ان تتذكروا انها من الله “ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ” سورة سبأ.
سيل العرم
   (1) قال عز وجل: “فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْناَهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيءٍ مِّن سِدْرٍ  قَلِيلٍ” سورة سبأ
ولكن قوم سبأ رغم كل الخير فَتَنتهم النعمة فأكلوا على أن الخير من كدِّهم وتعبهم ليس من الله ولم يشكروا الله على نعمته عليهم فعاقبهم الله وهدم السد وبدَّل جنتيهم من كثرة النعم الى بعض ما يسد حاجتهم. لا تنسوا ابدًا صيانة النعمة تاتي بشكرها والاعتراف بالرَزَّاق الله سبحانه وتعالى“قيدوا النعم بالشكر”
“العرم” له اطلاقات متعددة هي الحجارة التي تُبنى منها السدود او هو الفأر الذي احدث فجوة في السد ثم وسَّعها الماء
“ذواتي اكل خمط” مر المذاق“وأثل” شجر معروف ليس له ثمرة نافعة
السدر: شجر النَّبْق (ترك لهم القليل لابقاء الحياة)
إذا ما تأملنا الآيات القرآنية على ضوء المعلومات التاريخية التي أتينا عليها، لوجدنا توافقاً كبيراً.
  (2)  وقال جل شأنه: “فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ” سورة سبأ.
جعل الله بعض القرى الصغيرة في الصحراء حتى تكون أماكن لراحة المسافرين في رحلتي الشتاء والصيف والتزود بالطعام والشراب وكانت كثيرة بحيث يسهل على كل الناس السفر الفقراء والاغنياء
فمن تعنت قوم سبأ واعراضهم دعوا على انفسهم وأرادوا أن يضيقوا على الفقراء وطمعًا من الاغنياء في المزيد من المال فانظر الى عقاب الله على ظلمهم للفقراء الصابرين مزقهم وشتت شملهم.
ويذكر الكاتب التركي هارون يحيى أن الكاتب وعالم الآثار المسيحي وورنر كيلر صاحب كتاب "الكتاب المقدس كان صحيحاً" أن سيل العرم قد حدث كما ورد وصفه في القرآن الكريم، وأنه وقع في تلك المنطقة، وأن هلاك المنطقة بكاملها بسبب انهياره، إنما يبرهن على أن المثال الذي ورد في القرآن الكريم عن قوم الجنتين قد وقع فعلاً. 
وبعد وقوع كارثة السد، بدأت أراضي المنطقة بالتصحر، وفقد قوم سبأ أهم مصادر الدخل لديهم مع اختفاء أراضيهم الزراعية، وهكذا كانت عاقبة القوم الذين أعرضوا عن الله وترفعوا عن شكره، وتفرق القوم بعد هذه الكارثة، وبدأ السبئيون يهجرون أراضيهم مهاجرين إلى شمالي الجزيرة، مكة وسوريا. 
 يأتُي الحيز الزماني الذي شغلته هذه الكارثة بعد زمن العهد القديم والعهد الجديد، لذلك لم يرد ذكره إلا في القرآن الكريم.

اضافة تعليق