د. عمرو خالد يكتب: الحمد لله.. منهج حياة

الثلاثاء، 16 يوليه 2019 03:18 م
اسليدر-د-عمرو


يستهل المسلم صلاته في اليوم خمس مرات بقوله: "الحمد لله رب العالمين"، تلك العبارة هي القاسم المشترك في كل الصلوات، حمدًا للخالق وتعظيمًا له، فيرد الله تعالى عليه: "حمدني عبدني"، و"الحمد لله" ليست عبارة تلوكها الألسنة، أو هي ذكر مجرد لا معنى له، بل في حقيقتها قمة الرضا بالقضاء والقدر، يؤمن بها القلب قبل أن ينطق بها اللسان. 

كانت تلك طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في الرضا والحمد، وهو أنه كان يربط كل النعم بالمنعم ويحمده عليها.. في كل سكناته وحركاته كان يحمد الله تعالى على ما أنعم به عليه.. يأكل فيقول: الحمدلله الذي أطعمني هذا ورزقنيه.. يشرب فيقول: الحمدلله الذي جعله عذبًا فراتًا وليس ملحًا أجاجًا بذنوبنا برحمته.

يعطس فيقول: الحمدلله.. عند خروجه من الخلاء (الحمام) يقول: الحمدلله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.. يستيقظ من النوم فيقول: الحمدلله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، قبل أن يدعو ربه يتوجه إليه: الحمدلله، في ختام الدعاء: الحمدلله.. عند استجابة الدعاء: الحمدلله.

وهكذا في حياته كلها، كل عمل له حمد ورضا خاص به.. ربط كل نعمة بالمنعم.. كانت تلك طريقة حياة النبي، لا يتوقف أبدًا عن ترديد الحمد للخالق على ما أنعم به عليه.

وكذا أنت درب نفسك: إذا وفقك.. إذا رزقك.. إذا شفاك.. إذا نجحك.. حل لك مشكلة.. قل الحمدلله من كل قلبك.. إذ الفضل كله منه وإليه.. مع كل مره تقول فيها الحمدلله.. تذكر نعمه ولا تنساها.

كلما قلت الحمدلله زادك من نعمه وفضله: "ولئن شكرتم لأزيدنكم".. كان علي بن أبي طالب يقول: النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد، ولن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد.. حلقات لا متناهية من التواصل بين العبد وربه، حتى وأنت تقول: الحمدلله.. شكرك له نعمة جديدة تستحق شكر الله.

سأل موسى ربه: يارب كيف أشكرك وشكري لك نعمة تستحق الشكر، فقال له الله: يا موسى إذا عرفت ذلك فقد شكرتني.

الحمدلله ملء السموات وملأ الأرض وملء ما بينهما من شيء بعد.. أهل الثناء والمجد.. أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد.. لا نحصي عليك ثناءً أنت كما أثنيت على نفسك.

فعليك بذكر الله، اجعل له نصيبًا من يومك، وستلحظ التغيير للأفضل في حياتك، فالعقل في حالة تشويش رهيب، 60 ألف خاطرة كل يوم ترد على عقولنا، منها ماندركه ومنها ما ننساه، تشويش رهيب في عقولنا، يحصل انفجار مع أول مصيبة، لأن تصميم الإنسان لا يتحمل هذا القدر من التشويش خاصة ما يتلقاه عبر الإنترنت.

الذكر مصفاة قلبك وعقلك وروحك، يجعلك تعيش بتركيز، لأن تكرار كلمة واحدة فقط لمدة 15 دقيقة يصفي عقلك، هذا الصفاء هو سر السلام النفسي بدون تشويش "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".. كمية هائلة من المشوشات، تسمع صوتك يتردد بداخلك بشيء واحد فقط هو: "لا إله إلا الله".. الذكر يحميك من التشويش ويصفي عقلك.

علم الـ meditation قائم على هذه الفكرة.. والدين وفر لنا هذا الأمر مع اتصال عميق بالخالق، من غير تشويش، لا هاتف، كل هذا يؤدي إلى إرسال الروح إلى الله أثناء الذكر بشرط أن توقف المشوشات الخارجية حتى يسكن العقل والقلب والجوارح، فتصبح الأرض ممهده لتستقبل الذكر فيحدث الاتصال الروحي مع الله فيحصل الخشوع وتبدأ الأنوار والفتوح.

هناك في علم النفس شيء اسمه "كتلة الألم".. آلام الماضي تظل تغذيها وتكبرها وتعيشها وتتراكم الآلام على قلبك وعقلك وتضعها تحت "الميكرسكوب" لتكبرها أكبر من حجمها، في حين أن أغلب الآلام غير ضرورية أو وهمية أو غير مبررة وليس عليها دليل.

تفكيك كتلة الألم لا يتم إلا بالرضا عن الله.. الرضا في القرآن ورد 30 مرة.. من بينها 5 مرات.. "رضي الله عنهم ورضوا عنه".. الرضا المتبادل بين العبد وربه.. والرضا هو الاطمئنان إلى مراد الله أنه هو الخير.. الحمدلله.. قدر الله كله خير، وهكذا يكون إحساسك.. الرضا اطمئنان القلب أن أعظم الخير هو اختيار الله تعالى.. أنت راض لاختيار الله لك..       الرضا عكس السخط على القدر.. سكون القلب إلى مجرى الأقدار.. طمأنينة لاختيار الله.

الرضا هو مولد السلام النفسي أمام صعوبات الحياة، لأنك تحب اختيار الله وترى الناس ليسوا أعداء يقفون في طريقك، لكنهم منعزلون لقدر الله فيك.. هل أنت راض عن الله؛ إذن قل: الحمدلله. 
الرضا هو ألا تقف بقلبك في سكة القدر، أن تتهل مرور القدر، لا تواجهه، سهل مروره في حياتك، لا تقف ضده، إلا وهمك الكون كله، لذلك بلال بن رباح في لحظة الموت عاش هذا المعنى: وافرحتاه.. غداً ألقى الأحبة محمدًا وصحبه.

حين تكون مريضًا ويعطيك الطبيب حقنة فأنت تتألم لكنك ترضى، لأنها سر شفائك، وهكذا من يؤمن بالرضا في داخله ينظر إلى أن ربه يعلم مصلحته أكثر من نفسه.. الرضا هو التعلق بثلاثة أسماء من أسماء الله الحكيم.. العليم.. الرحيم.. أرحم به من أبيه وأمه.

وقد تعلمنا أن "أقصر الطرق بين نقطتين هو الخط المستقيم"، أقصر طريق مختصر لرضا ربنا أنك تحمده.. احمده من قلبك حبًا له وشكرًا له.. قل الحمدلله بدون طلبات فقط لأنه يستحق الحمد.. احمده ليرضى لا ليعطي فإنه إذا رضي أدهشك بعطائه.

لو مررت بمصيبة أقصر طريق لرفع البلاء هو الرضا عن الله، يرفع البلاء بالرضا، لأن الله يقول: من رضي بقدري أعطيته على قدري، فلا تطل فترة البلاء بعدم الرضا.. ارض عن الله، قل الحمدلله من قلبك، يرفع الله عنك البلاء.

فالحمدلله تجعل بداخلك طمأنينة وسلامًا روحيًا ورضا في حباتك عن قدر الله. ويصبر قلبك على آلام الدنيا.. "فاصبر على مايقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى".

احمد الخالق على أنه خلقك.. تخيل لو أنه لم يكن الرحيم الودود الكريم الرزاق الوهاب الحنان المنان.. فالحمدلله أنك أنت الله يا الله.. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك.. يارب كنا ضعفاء فقويتنا فلك الحمد.. كنا فقراء فأغنيتنا فلك الحمد.. كنا بعيدين فهديتنا فلك الحمد.. الحمدلله بالإسلام والحمدلله بالإيمان وبالقرآن.. اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله وإليك يرجع الأمر كله.

يارب.. يا شكور.. يا ودود.. يا كريم يا من تضاعف الحسنات وتذيب السيئات.. يامن خيرك إلينا نازل وشرنا إليك صاعد.. تتودد إلينا برحمتك وأنت الغني عنا ونتبغض إليك بالمعاصي ونحن أحوج ما نكون إليك.

اضافة تعليق