لا تنافق ولا تداهن.. كيف تصحح قبلتك ليأتي لك الخير؟

الأحد، 14 يوليه 2019 01:07 م
كيف تصحح قبلتك ليأتي لك الخير


ضرب الله تعالى أمثلة كثيرة في كتابه الكريم على استعانة بعض الناس بغير الله عز وجل، والتوكل على أشياء لا تنفع ولا تضر، وتقديم القرابين لها، قال الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: 3].

ففي هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله وتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئاً بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة إليها ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثاً – فهذه هي صفتها فهي لا تستحق العبادة.

 وتتجدد هذه السلوكيات مع الأسف في وقتنا الحاضر من بعض المسلمين، الذين يظنون أن الخير في يد بعض الناس، فيتزلفون إليهم بالمودة، ويصوبون أحاديثهم وأعمالهم لقبلتهم، ظنا منهم أن الخير في يديهم.



وقال الله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ "[الروم: 40] .

 ومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: 73-74].

وتوضح هذه الآية أن من يعبد شيئًا مع الله لا يكون قد قدر الله تعالى حق قدره. وفي هذا الدلالة الواضحة على أن الله تعالى ذكر من الحجج الدالة على توحيده وصرف العبادة إليه وحده لا شريك له: أن غيره لا يخلق شيئاً وأنه ضعيف مربوب لله فوجب ألا يصرف إليه شيء من العبادة.

 ومن هذه الآيات قوله تعالى: "قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً [الإسراء: 56] ".



وفي هذه الآية تعجيز للمدعوين من دون الله سواء كانوا ملائكة أو جناً أو إنساً أو أصناماً أو غير ذلك إذا أراد الله إنزال ضر أن يدفعوه أو يحولوه إلى نفع أو يحولوا الضر إلى آخرين ولا شك أن المدعوين من دون الله عاجزون عن ذلك إذ المقدر هو الله تعالى، فلا يقدر أحد أن يغير ما قدره الله. وبهذا يعلم أن أولئك لا يجوز صرف شيء من العبادة إليهم إذ المستحق لأن يعبد هو الذي لا يعجزه شيء وهو الله سبحانه وتعالى.

 ومن ذلك أن الله تعالى قد ذكر عجائب قدرته في خلق الإنسان والبحار وما يستخرج منها وما يجري فيها من الفلك وخلقه الليل والنهار والشمس والقمر وجريان ذلك بنظام دقيق محكم – فبعد أن ذكر ذلك قال: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: 13-14] ففي هذه الآية بيان لعجز من يدعى من دون الله إما لعدم سماعه أصلاً أو لعدم استجابته إن سمع الدعاء. وهذا يدل على عدم استحقاق غير الله للعبادة.



وقد يذكر الله تعالى أن التعجيز يقع في الآخرة أيضا، فمن ذلك قول الله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا [الكهف: 52]. وقوله تعالى: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص: 64].


ومن الأحاديث في هذا الباب قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما ((يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف))  .



ففي هذه الوصية الأمر بالاستعانة بالله وحده وسؤاله وحده، ثم ذكر أصلاً عظيماً عليه مدار الوصية وهو تقدير الله عز وجل للأشياء كلها، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئاً، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه – قال الله عز وجل: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: 38])  .

ومن ذلك ما قاله الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام: "وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ [العنكبوت: 25].



ومن قبيل هذا الأسلوب المثل القرآني الذي ضربه سبحانه لبيان حقيقة ما يُعبد من دونه، مهما كان هذا المعبود إنساً أو جنًّا، شجراً أو حجراً، صنماً أو وثناً، قوله عز وجل: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب}(الحج:73).



شُبِّه الله سبحانه وتعالى عجز الآلهة المعبودة من غير الله بهيئة ناس تعذر عليهم خلق أضعف المخلوقات، وهو الذباب. وإذا عجزت هذه الآلهة المزيفة عن إيجاد أضعف الخلق، وعن دفع أضعف المخلوقات عنها، فكيف تُوسم بالإلهية؟ وكيف يُتوجه إليها بالعبودية؟ وهي -في الحقيقة- لا تملك من أمرها شيئاً، فضلاً عن أن تملك لغيرها نفعاً أو ضراً.



وهذا المثل يعلن على الملأ ضعف الآلهة المدعاة، التي يتخذها الناس من دون الله أوثاناً مودة بينهم. ومن بينها تلك الآلهة التي يستنصر بها أولئك الظالمون، ويركن إليها أولئك الطاغون.


ومن بلاغة هذا المثل القرآني، أنه شبه ضعف هذه الآلهة وهوان أمرها بالذباب، وهو من أضعف المخلوقات بنية، ومن أحقرها شأناً، ومع ذلك فإن خلق الذباب مستحيل، كخلق الجمل والفيل؛ لأن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة، فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل. ولكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير؛ لأن العجز عن خلقه -كما يقول سيد قطب رحمه الله- يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل! دون أن يخل هذا بالحقيقة في التعبير.



ثم إن الآلهة المدعاة لا تملك استنقاذ شيء من الذباب حين يسلبها إياه، سواء كانت أصناماً أو أوثاناً أو أشخاصاً! وقد اختير الذباب بالذات، وهو ضعيف حقير، وهو في الوقت ذاته يحمل أخطر الأمراض، ويسلب أغلى النفائس: يسلب العيون، والجوارح، وقد يسلب الحياة والأرواح؛ لما يحمله من جراثيم قاتلة. وهذه حقيقة أخرى كذلك يستخدمها الأسلوب القرآني المعجز. ولو قال: وإن تسلبهم السباع شيئاً لا يستنقذوه منها، لأوحى ذلك بالقوة بدل الضعف، والسباع لا تسلب شيئاً أعظم مما يسلبه الذباب! ولكنه الأسلوب القرآني العجيب.

ويختتم المثل القرآني ما قرره من حقائق بتقرير خاتمة الحقائق، وهي أن ما سوى الخالق سبحانه ضعيف حقير، لا يملك لنفسه -فضلاً عن غيره- نفعاً ولا ضراً، ولا خلقاً، ولا حياة، ولا نشوراً، {ضعف الطالب والمطلوب}.

والمقصد الرئيس الذي يريد أن يقرره هذا المثل القرآني، هو بطلان الشرك بالله، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الأمر -بداية ونهاية- إلى الله وحده، وأن جميع المخلوقين لا يملكون لا نفسهم ضراً ولا نفعاً، وبالتالي فلا ينبغي للعاقل أن يعتمد على أحد سوى الله وحده، فهو المقدِّم والمؤخر، والمبدئ والمعيد، والمحيي والمميت، {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} (الأعراف:54).

اضافة تعليق