Advertisements

منافع الحج المبرور.. تلبية وتوحيد وتجديد

الأحد، 14 يوليه 2019 12:00 م
منافع-الحج-المبرور


"‏ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ " ‏(‏ آل عمران‏:97)‏.


عبادة من أعظم العبادات التي تتجلى فيها معاني وقيم الإسلام الحقيقية، والتي يبدأ فيها القاصد أو الحاج تصويب نظره ناحية المقصد الحقيقي لدعاء الإله الواحد الحق، مستجيبا لأوامره وتاركا لنواهيه وزواجره، ملبيا لأحد أركان الإسلام الخمسة، ابتغاء لمرضاة الله.


 والحج يبدأ بالإحرام والدخول في معية الله، قاصدا مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ وما يتبع ذلك من مناسك يؤديها كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر‏,‏ مؤمنا بما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سُئل‏:‏ أي الأعمال أفضل؟ قال‏:" ‏إيمان بالله ورسوله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا؟ قال ‏: ‏ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا؟ قال‏: ‏ثم حج مبرور‏ ـ أي الذي لا يخالطه إثم ‏.‏ (أخرجه الإمام أحمد).



وفي الحج ترقيق القلب‏,‏ وتهذيب النفس‏,‏ وضبط السلوك‏,‏ وزيادة الإحساس بمعية الله ـ تعالى‏ .‏ ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في أثناء أداء فريضة الحج‏ ، وذلك لشدة الزحام‏,‏ ولمحدودية كلٍ من الوقت والمكان‏,‏ ولكثرة التكاليف الشرعية في هذه الفترة المحدودة، ولجهل القطاع الغالب من الناس بحقيقة هذه العبادة والحكمة من أدائها‏,‏ ولكن إذا فُهمت الحكمة من أداء هذه الفريضة العظيمة أدَّاها العبد أحسن الأداء وأكمله‏,‏ وأعان غيره من إخوانه على حسن أدائها‏,‏ وذلك بحسن الفهم‏,‏ والالتزام بالنظم‏,‏ والإيثار على النفس، تقرباً إلى الله ـ تعالى ـ وتضرعاً‏,‏ وحباً في عون عباد الله والمبادرة إلى نجدتهم‏,‏ واعتبار ذلك من تمام أداء هذه العبادة التي يساويها خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وعليه وسلم ـ بالجهاد، وذلك بقوله الشريف‏ :‏ " جهاد الكبير والضعيف والمرأة‏ :‏ الحج‏" (‏ النسائي‏)‏ .

أشهر الحج



بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن بعدها تأتي بقية الأشهر الحرم ، ومن الأيام جعل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أشرفها العشرة أيام الأولى من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها على الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي ذلك يروى عن جابر ـ رضى الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :‏"ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة ، فقال رجل‏:‏ هن أفضل‏,‏ أم عدتهن جهادا في سبيل الله؟ . قال ـ صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ـ هن أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل الله ـ تبارك وتعالى ـ إلى السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهلَ السماء فيقول‏:‏ انظروا إلى عبادي‏,‏ جاءوني شُعْثاً غُبْرا ضاحين‏ .‏ جاءوا من كل فج عميق‏,‏ يرجون رحمتي ولم يروا عذابي‏,‏ فلم يُرَ يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة ، ولذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم ‏.‏




‏‏ وروى كلٌ من الإمامين الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب‏‏ كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة‏,‏ وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة ‏.‏



من مقاصد الحج

يشرح الإمام أبو حامد الغزالي في حديثه عن الحج بكتاب "إحياء علوم الدين" فصل الحج، الأهداف والغايات والمقاصد والأسرار التي شرع الله تعالى لها الأحكام والعبادات، وحد لها الحدود، وفرض لها الفرائض وشرع لها الشرائع، ومن بينها الحج.



ويقول الغزالي إن " الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين”، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يرفع أمامه مقاصد الحج وغاياته، وحكمه وأسراره، حتى يكون على بصيرة من أمره، وفقه من دينه، واستمتاع بعبادته، فإن ذلك أرجى للخشوع والخضوع فيها، وإتمامها على الوجه الصحيح المقبول.





مقاصد ربانية وإيمانية





فمن هذه المقاصد التي شُرع الحج لها مقاصد تندرج تحت الإيمان وتزكية النفس، ففي كل شعيرة من شعائر الحج يبدو مقصد تحقيق التوحيد بارزا وواضحا بروزا لا يحتاج إلى بيان، ووضوحا لا غموض معه ولا لبس فيه.



فالمسلم يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه وماله وتجارته مهاجرا إلى الله، يرجو رحمته ويخشى عذابه، لا يعبد معه شيئا، ولا يشرك به أحدا، بل يتمحض التوحيد وإفراد الله بالعبودية هنا أتم ما يكون التمحُّض، فيا له من مشهد مهيب حين نرمق الوفود المنطلقة في البر والبحر والجو تجأر إلى الله تعالى بالدعاء والتهليل، والذكر والشكر والتمجيد في عالم ما أكثر التائهين فيه عن الله والمتمردين عليه، وما أكثر العابدين بغير ما أنزل الله وبغير ما شرع.



وشعار الحجيج في هذه الشعيرة: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”، لهو خير شاهد على ذلك، وكذلك ذكره ودعاؤه والابتهال إليه والتكبير والتسبيح كلما هبطوا واديا أو علو جبلا، فكل أعمال الحج يتخللها الذكر، ويتجلى فيها الثناء والدعاء والخوف والرجاء حتى عند أداء الشعائر التي ربما لا نعرف لها حكمة بادي الرأي.



يقول الشيخ الراحل محمد الغزالي : “وإذا كان بعض المغفلين يزعم أن تقبيل الحجر الأسود نوع من الوثنية فليكن تقبيل الملوك والرؤساء لأعلام دولهم نوعا أيضا من الوثنية ومن عبادة الأقمشة!! من قال هذا؟ إذا كان الأمر لا يعدو ترجمة لمشاعر الولاء لله فليس في هذا شيء، ونحن في هذا نلتزم ما ورد”.



وفي هذا اختبار للعباد في مدى طاعتهم لله؛ فقد كلفهم بما يعقلون سره ويدركون مقصده، فها هو يبتليهم بما لا يعقلون أو يدركون أسراره، فهل يطيعون أم يتمردون؟.


مقاصد إنسانية



ومن مقاصد الحج مقاصد إنسانية واجتماعية؛ فوحدة الأمة وتوحيدها مقصد عظيم من مقاصد الحج بل من مقاصد الإسلام الكبرى، ويُستمد هذا المقصد الاجتماعي والإنساني من “توحيديات” الحج، فالكل -كما نحفظ- يعبد ربا واحدا، وقبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، ورسولهم واحد، وحُداؤهم واحد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ومن هنا تتجلى وحدة الأمة وقوتها؛ فالحج من الشعائر التي تحفظ للأمة الحد الأدنى من الوحدة والتماسك.



ومن المقاصد الإنسانية تحقيق معنى المساواة؛ فالغني والفقير، والرئيس والمرءوس، والأمير والخفير، والملك والمملوك، الكل يرتدي لباسا واحدا لا خيط فيه، ولا ألوان مختلفة له، فالكل يرتدي رداء واحدا لونه واحد هو اللون الأبيض، فلا يعرف فيهم عظيم من حقير ولا رئيس من مرءوس، الكل أمام الله سواسية، ومن ثم تتراجع هنا كل الموازين والمعايير، ولا يبقى إلا مقياس واحد ومعيار واحد: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.



ومن هنا شاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر الجموع الحاشدة من المسلمين الذين تبعوه يوم الحج الأكبر، حجة الوداع، فعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى”.



مقاصد تاريخية



ومن مقاصد الحج مقاصد تاريخية وسياسية، فمن المقاصد التاريخية أن المسلم يرى بعينيه الأماكن التي قرأ عنها في السيرة والتاريخ، فهذا طريق الهجرة بصعوبته وخشونته وطوله، وهنا عُذِّب فلان من الصحابة، وهناك استشهد فلان، وهنا كانوا يصلون، وهنالك كانوا يجتمعون، وهنا قاتلوا وهناك قتلوا، وهنا وقف إبراهيم يدعو ربه، وفي هذا المكان كان يبني البيت ويرفع منه القواعد، وفي هذا الموضع كان معه ابنه إسماعيل، وهنا هرولت هاجر وسعت بين الصفا والمروة، وهذه هي زمزم التي فجرها الله لها برحمته… وهكذا.



ومن شأن هذه الرؤية أن تعمق معاني الإيمان بالرسالة الإسلامية في نفس المؤمن فيحمله ذلك على الدعوة للإسلام والتضحية له والصبر من أجله، وهذا من المقاصد العظيمة التي يتغياها الحج في الإسلام.



مقاصد دنيوية وأخروية





وقد أطلق الله تعالى شهود المنافع فلم يقيدها بدنيا ولا أخرى، حين قال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28].



فربما كانت المنافع مادية أو اجتماعية وهذا في الدنيا، وقد جاءت كلمة “منافع” نكرة لتفيد العموم والشمول؛ فالحج يتيح الفرصة أمام جموع المسلمين لممارسة أنواع النشاطات وأصناف الصفقات التجارية والمالية والاقتصادية، وقد ذكرت كتب التفسير أن بعض المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من ممارسة التجارة والبيع والشراء حال الحج، فأنزل الله تعالى قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة: 198]، فاستبشروا بهذا التيسير الإلهي لهم؛ فباعوا واشتروا وتاجروا.

اضافة تعليق