حبل الكذب قصير.. كيف تفقد ثقتك في نفسك وثقة الناس فيك؟

السبت، 13 يوليه 2019 01:58 م
النصح محبة


كان لتاجر غني من بغداد ، عشرة خدام ، وفي أحد الأيام تبين له ، أن أحدهم قد سرق منه كيساً ، وفيه ألف دينار ، أخذ التاجر يفكر كثيراً ، ويبحث عن طريقة ، تجعله يكشف من هو السارق ؟!.

فكر التاجر في طريقة لاكتشاف السارق، وأعطى كل واحد من خدمه حبلاً ، طوله نصف متر ، وقال لهم : أن يحضروا إليه صبيحة اليوم التالي ، لأن السارق سوف يطول حبله ، بعشرة سنتيمترات .

وفي صبيحة اليوم التالي ، حضر جميع الخدام ، وأخذ يبحث حبل كل واحد منهم ، وكانت جميع الحبال، بنفس الطول ، كما أعطاهم إياها سابقاً ، ما عدا واحداً ، كان طوله أقصر بعشر سنتيمترات ، فعرف أنه السارق .

والذي حصل هو ، أن هذا السارق ، قام بقص عشر سنتيمترات من الحبل ، ظناً منه أن حبله فعلاً سيطول ، بعشر سنتيمترات ، وعند اكتشاف من هو السارق ، قال له التاجر : حبل الكذب قصير !! ثم اشتكاه وحبسه ، وأصبحت هذه الجملة مثلاً ، تناقلته الألسن ، حتى وقتنا الحالي !.

وبالرغم من طرافة القصة وسذاجتها بغض الطرف عن مصداقيتها من عدمه، إلا أنها تعطي مثالا حيا في فقدان ثقتك في نفسك حال اعتمدت علىالكذب، للدرجة التي تعيش معها في حالة من الخوف تفقدك البوصلة بالشكل الذي تتخبط أفعالك للنجاة، فتفاجأ بغير ما توقعته، نتيجة هذا الارتباك.

 وفي ذلك يقول ابن القيم: (الصدق هو الطريق الأقوم الذي من لم يسر فيه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين).

فالصدق عالم لا يفهمه إلا الصادقون، وجوهرة لا يُثمنها إلا ذوو العقول الحكيمة، ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "عليك بالصدق وإن قتلك"..
 وقال: "لأن يضعني الصدق - وقلّ ما يفعل- أحب إلى أن من أن يرفعني الكذب، وقلّ ما يفعل". وقال: "قد يبلغ الصادق بصدقه ما لا يبلغه الكاذب باحتياله".

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور". وأصل المتشبع الذي يظهر أنه شبعان وليس بشبعان، ومعناه هنا كما قاله النووي وغيره: أنه يظهر أنه حصل له فضيلة وليست بحاصلة «كلابس ثوبي زور» أي ذي زور، وهو من يزور على الناس فيلبس لباس ذوي التقشف وزي أهل الزهد والصلاح والعلم وليس هو بتلك الصفة.
ومن اعتاد الصدق حظي بالثناء الجميل من سائر الناس وثقتهم، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً)[مريم:50].

فبعض الناس يعمد إلى أسلوب التلون والتمثيل والتصنع لكي يحصل مكاسب مادية أو يصل إلى مرتبة عالية، لكنه بهذا الصنيع يخسر نفسه ومروءته ويخسر ثقة الناس به، فإنه يظن أن الناس مغفلين لا يقدرون على التمييز بين معادن الرجال وبين لابسي الأقنعة.

كيف تتحلى بالصدق؟
كن صادقا
كن كما أنت على حقيقتك في بساطتك، وبحسب قدرتك وإمكانياتك، صادقا في مشاعرك نحو الآخرين، فلا تجعلهم كالكرة كلما مللت ركلتها بأقوى ما لديك، حتى في ابتساماتك مع الناس يدخل مدخل الصدق، فلا تكن كالمنافق يبتسم وفي داخله بركان من الحقد والكره والبغض، فعبوسك في وجه مخالطك أهون من ابتسامة خبيثة.

 والصدق أيضا يكون في مودتك للخلق فلا توادهم لأنهم يشاركونك المنفعة المتبادلة، وبمجرد أن تتجرد أعناقهم من خدمتك تتجرد نفسك من مودتهم وحبهم، فقط لأن خدامتهم انتهت الآن، وكأنك رحلت مودتهم للتقاعد الإجباري لأنهم لم يعودوا يفيدوا مصالحك.

لا تروج كذبا، ولا تنشر شائعة، بل أصدق القول، وتحرّ الصواب فيما تخبرهم به، وتثبت فيما تنقله إليهم ولا تكن كحاطب ليل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع".

سلامة القلب
سلامة القلب، وخلوه من الغش والحقد والحسد للمسلمين، فالعبد المؤمن الصادق في إيمانه لا يضمر في قلبه غلاً للمؤمنين ولا شراً، بل إن حب الخير والنصح لإخوانه هو طبعه وعادته، وهذه الحالة الإيمانية تظهر علاماتها على الأعمال، وذلك بتجنب الظلم والعدوان والاستطالة على الأعراض، والحرص على العدل والقسط مع الناس، والانطلاق بما في الوسع لقضاء حاجات المسلمين، وإغاثة الملهوفين، ودفع الظلم عنهم، والحزن على مصابهم، والفرح لفرحهم.

وليس بين الصدق والكذب إلا أن الصدق ملكة بعد الجهد، والكذب استرسال عفوي لا يحتاج إلى أكثر من ترك النفس وهواها، وكل خلق جميل يمكن اكتسابه بالاعتياد عليه، والحرص على التزامه، وتحري العمل به، حتى يصل صاحبه إلى المراتب العالية، يرتقي من واحدة إلى الأعلى منها بحسن خلقه.

اضافة تعليق