د. عمرو خالد يكتب: حب النبي.. بالقلب.. واللسان.. والممارسة

الثلاثاء، 09 يوليه 2019 03:16 م
اسليدر-د-عمرو


"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"، الله سبحانه يخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم يأمر تعالى عباده المؤمنين الموحدين في الأرض بالصلاة والتسليم عليه، حتى يجتمع الثناء عليه من أهل العالمين الأرض والسماء معًا.

والله تعالى في آية أخرى يبشر عباده المؤمنين قائلاً: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"، ولما سمع صحابة النبي بذلك فرحوا أيما فرح، وسروا أيما سرور، وكيف لا يفرحون، والله تعالى يزف إليهم هذه البشرى العظيمة، بأنهم آمنون من عذابه ما دام فيهم الرسول.

لكن ماذا عن حال المؤمنين من بعده؟

كذلك هم آمنون من عذاب الله، ماداموا متمسكين بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مهتدين بهديه الكريم "وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ".

فأنت في أمن وأمان ما دمت تتخلق بأخلاق الرسول الكريم، وتتقلد به في حلمه ورحمته وعفوه، والله تعالى لم يثن على أحد من خلقه بمثل هذا الثناء لنبيه: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، فلم يقل عن احد أنه ذو خلق عظيم إلا النبي، وكذلك كل مؤمن هو على خلق عظيم، حين يقتدي به في خلقه وأخلاقه، في معاملاته، في طيب قلبه ورقة مشاعره.

لكن كيف تعيش بأخلاق النبي؟

اجعل لسانك يكثر من الصلاة والسلام عليه، واجعل قلبك متعلقًا به طوال الوقت، فإن صلاتك على النبي تجعلك كأنك تراه وتشعر به، فتتجسد فيك أخلاق النبي وصفاته، إذ الهدف من الصلاة عليه أن تنغرس فيك أخلاقه.. فالصلاة على النبي هي سر البشرى.. "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

وإذا كان هذا الخلق هو ما يجب أن يتحلى به كل مسلم، يؤمن برسالة خاتم النبيين، ويهتدي بهديه الكريم، حتى يكتمل الإيمان به، لكنك ستعجب حقًا حين تعرف أن عالمًا ألمانيًا متخصصًا في مقارنة الأديان، تعرفت عليه ذات يوم، وفاجأني بالقول: أنا قررت أن أعيش بطريقة محمد في الحياة (لايف ستايل)!!.. كان ذلك في الواقع أمرًا غريبًا، إذ كيف لشخص غير مسلم أن يقتدي بنبي الإسلام في طريقته في الحياة؟

يقول: أنا رأيت أن طريقته في الحياة هي أفضل طريقة.. في النظام الغذائي الذي يتبعه: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع"، في أصول التعامل مع الناس "الإتيكيت" يقول: "تبسمك في وجه أخيك صدقة".. من هنا قال لي: قررت أن أعيش بنفس طريقة حياة محمد.. مع المرأة "خير الصدقة لقمة تضعها في فم امرأتك" .. في الإبداع، لأن كل حلوله للمشاكل مبدعة، خارج إطار التفكير التقليدي، أو ما يسمى "التفكير خارج الصندوق".

فبدأت أفكر مثله، وقررت أن آخذ طريقة حياة النبي نموذجًا لي في الحياة، في التسامح، لم يتذكر ذات مرة أن أحدًا أساء إليه قولاً أو فعلاً، ولم يقل لأحد أذاه يومًا لم فعلت ذلك؟.. لأنه كان يعفو.. ويصفح.. وينسى إساءة المسيء له، ولم يمتلأ قلبه بالحقد أو الضغينة على أحد.

هذا العالم الألماني فاهم معنى السُّنة أكتر مننا نحن المسلمين، فنحن ننظر إلى السٌّنة على أنها لحية وجلباب، لكن في الحقيقة هي أعمق دلالة من ذلك، لأنها طريقة حياة تسير بها ولا تحيد عنها في عبادتك، في أخلاقك، في معاملاتك.. في كل شيء حولك.

لذا، فإنه كلما صليت على النبي أكثر امتلأ قلبك بحب أخلاقه وسنته.. والهدف من الصلاة على النبي أن تتجسد أمامك أخلاقه فتقلدها.. وأن تغرس حبه في قلبك، يقول النبي: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا" في كل مرة تقول صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم يصلي الله عليك 10 مرات، والصلاة من النبي رحمة، لأنه كان رحمة للعالمين.. فكلما صليت عليه، يغرس الله رحمة منها في قلبك لأنك بتذكرِّك له تتذكر الرحمة.

يقول النبي الكريم: "ما من رجل يصلي ويسلم علي إلا قيض الله لي ملكًا فيبلغني سلامه فأسلم عليه"، فأنت حين تصلي عليه يرد عليك السلام.

كيف يكون هواك ومزاجك مع رسول الله؟

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، حين سمعت الحديث أخذت أفكر في المعنى المقصود منه، إذ أن ما أفهمه أن الهوى كلمة حرام في الإسلام، لأنها تعني الشهوات والرغبات والأمنيات الجشعة.

بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، إذن ليس كل الهوى حرامًا؛ فالهوى هو ما تهواه النفس وتميل إليه وترغب فيه وتتمنى أن تحققه.. إذا كان هواك مع الله، ومع ذكر الله، ومع قيام الليل، ومع الخير كان هواك موافقًا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا كنت تحب امرأة جميلة تملأ حياتك وتحبها من كل قلبك، لكن هواك دائمًا يقول لك: لابد أن تكون زوجتي قريبة من ربنا، وقتها هواك سيكون موافقًا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذا كان هواك أن تجمع مالاً كثيرًا، بشرط أن يكون من حلال، وليس فيه جنيه واحد من حرام، فإن هواك وقتها يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استخدمت المال في إسعاد أهلك وأولادك والغارمين، وانشغلت بكيف تساعد هذا الشخص أو ذاك، فإنه وقتها هواك يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلما كنت كذلك ستعيش سعيدًا.


ولن تصل إلى تلك الحالة الإيمانية التي يوافق فيها هواك مع ما جاء به النبي إلا بما بمداومة الصلاة والسلام عليه، إذ أنه كلما ذكرت أكثر كلما اقترب هواك من رسول الله من غير أن تبذل مجهودًا، وهذه هي تجربة كل من انشغل بذكر الله، لا ينقطع يومًا عن المداومة عليه، وقتها ستشعر بحلاوة عجيبة، وستجد هواك وأمنياتك ورغباتك قريبة جدًا مما يريده رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النبي كان حنونًا رقيقًا.. حضن ابن عباس وهو ابن 12 سنة، ودعا له في أذنه: اللهم فقهه في الدين.. فما نسي ذلك الموقف أبدًا في حياته، حتى صار أعلم المسلمين.

كان قريبًا من الناس إلى الدرجة التي تجعله يشاركهم في أمور حياتهم، ذات يوم سأل جابر بن عبدالله هل تزوجت؟.. فأجاب: نعم.. كان رحيمًا، متسامحًا، وكثير ممن كانوا ينوون أن يؤذوه كان يضع يده على صدروهم.. فيقولون: قبل أن يضع يده على صدري كان أبغض أهل الأرض إلى قلبي، فما أن رفعها حتى صار أحب أهل الأرض إلى قلبي. 

كان يعرف الناس من أول نظرة، ويكتشف المواهب فيهم منذ اللحظة الأولى التي يراهم فيها، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياءً عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وأفرضهم زيد، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة". 

كان متواضعًا أشد التواضع: "إن الله خيرني بين أكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا فاخترت أن أكون عبدًا نبيًا"، كان يحب البنات، وكانت كل ذريته التي عاشت من النساء، كان شجاعًا، عاشقًا للإسلام.. "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته".

كان يكبَّر من حوله حتى يبدعوا.. فاختار "مصعب" الشاب، ليكون أهم سفير في تاريخ الإسلام، أرسله إلى المدينة، فأسلم على يده أهلها.. كبّر جعفر بن أبي طالب ابن عمه حتى استطاع أن يقف أمام النجاشي ملك الحبشة ويقنعه ويبكيه.. كبّر خادمة أنس بن مالك.. ليكون أحد أشهر رواة الأحاديث.. كبّر بلال من عبد إلى مؤذن رسول الله يقلده كل مؤذن ويتمنى يكون مثله كل المؤذنين إلى يوم القيامة.. كبّر أسامة بن زيد ليقود معركة أمام الروم.

بكى رسول الله يومًاـ فقالوا: ما يبكيك يا رسول اللّه؟ قال: اشتقت لأحبابي قالوا: أو لسنا أحبابك يا رسول الله؟ قال: لا أنتم أصحابي، أما أحبابي فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني"

ما من أحد أصيب بمصيبة إلا ورسول الله أصيب بها ليشارك أمته.. ويكون لهم المثل والقدوة .. أذاه الناس، وقالوا عنه: ساحر ومجنون.. مات له سبعة من الأولاد.. ماتت زوجته الحبيبة خديجة.. في يوم الخندق ربط على بطنه حجرًا من شدة الجوع.. صبر على الناس.. غادر بلده وهاجر منها، ومع ذلك كان أرحم الناس، وأكثرهم تبسمًا.. يقول أبو أمامة: "ما لقيت رسول الله إلا ابتسم في وجهي".

اضافة تعليق