كيف تصل إلى الشعور بلذة الطاعة ومتعة العبادة ؟

الأربعاء، 03 يوليه 2019 08:30 م
محراب عبادة
تمكن الإيمان من القلب وعدم الانشغال بالدنيا هو الطريق للشعور بلذة الطاعة

 الشعور بلذة الطاعة، واستمتاع الجسد والروح بمناسك العبادات وفروضها ونوافلها هو غاية كل مسلم، لأن العبادات ليست مجرد حركات وأفعال بدنية تؤدى دون أن يكون لها وقع وتأثير في النفس والروح.


وافتقاد هذه المعاني والمشاعر في أداء العبادات هو شكوى يعبر عنها الكثير من الموحدين بالقول : أدخل إلى الصلاة في المسجد ثم أخرج دون أن أشعر بحقيقة لذة مناجاة الله تعالى , كما أني لا أجد أثر هذه الفريضة العظيمة في سلوكي التي أشار إليها البيان الإلهي بقوله : { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...} العنكبوت/45.

 أفتح كتاب الله لأتلو كلامه فإذا بي أقرأ الحروف والكلمات ولا أصل إلى روحها ومضمونها , ثم إني أسرع في التلاوة وكأني أستعجل الانتهاء من تلاوة بعض الصفحات التي ألزمت نفسي بها كل يوم , دون أن أستشعر أثناء التلاوة ما ذكره الله من حال المؤمنين أثناء تلاوة كلامه : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا...} الأنفال/2

يتحرك لساني بذكر الله تعالى في الصباح أو المساء , إلا أني لا أجد الطمأنينة والسكينة والسعادة التي ذكر الله تعالى تلازمها مع ذكر الله بقوله : { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } الرعد/28 .. ، هكذا يصف د. عامر الهوشان  أحوال المتعطشين لشعور بلذة الطاعة متعة العبادة في مقاله الرائع "كي نتذوق حلاوة الطاعة".

 ويرى د. الشوهان أن تزايد الشكوى من فقدان الإحساس بحلاوة الطاعة وثمارها المرجوة هو نتيجة بدهية لطغيان المادة على الروح في هذا العصر , و لاجتياح الشهوات والأهواء والمتع الجسدية على الحالات والمعاني الروحية السامية , رغم أن العبودية لله وحده هي مصدر السعادة الحقيقية ليس في الدنيا فحسب , بل وفي الآخرة أيضا , بينما لا تزيد المتع الجسدية الشهوانية الإنسان إلا تعاسة إن هي خرجت عن منهج الله المبين في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وأن الخروج من هذا الفتور الروحي وقلة التفاعل القلبي مع العبادة التي يؤديها المسلم لله تعالى بعسير , و الوصول إلى تذوق طعم العبادة والتلذذ بالطاعة ليس ببعيد , بل هو أمر يسير لمن أراد ووفق , ويكفي أن يكون أحدنا على تواصل مع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى يدرك ذلك .

ففي الحديث الصحيح عَنْ أَنَسِ رضي الله عنه أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا , وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ , وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ) صحيح البخاري برقم /16

 و يواصل د.عامر الشوهان قائلاً: من يراجع كتب شرح الحديث النبوي يلاحظ إجماع العلماء على أن معنى حلاوة الإيمان هو : التلذذ بالطاعة وإيثار ذلك على عرض الدنيا , وقد عَبَّرَ الشَّارِع عَنْ هَذه اللذة بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَر اللَّذَائِذ الْمَحْسُوسَة .... قال الإمام النووي رحمه الله : قال العلماء : "معنى حلاوة الايمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضى الله عز و جل ورسوله صلى الله عليه و سلم وايثار ذلك على عرض الدنيا" . شرح النووي على مسلم 2/13

 هي إذن ثلاث خطوات فقط للوصول إلى الشعور بلذة العبادة وتذوق حلاوة الطاعة كما أكد الحديث النبوي , وهي لمن يدقق خطوات تتعلق بأصل الإيمان لا بفروع الإسلام , كما أنها أمور قلبية داخلية لا جسدية خارجية , الأمر الذي يؤكد أهمية أعمال القلوب في دين الله الخاتم , واعتبارها الأساس الذي يبنى ويعول عليها .

 ولا بد من التأكيد هنا على أن القلب لا يمكن أن يشعر بلذة العبادة والطاعة ما دام غارقا في بحار الأهواء والشهوات , فكما أن الإنسان لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته , فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك ، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه ، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الطاعة إذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة لتلك العبادات ، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي . فتح الباري لابن رجب 1/45

أما محبة الله تعالى وتقدمها في قلب المسلم على جميع الأغيار , فلعل أيسر طريق ليتشربها القلب استحضار كثرة نعم الله تعالى عليه , فإن القلوب جبلت على حب المنعم والمحسن , ومن هنا يمكن فهم الحديث النبوي الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم : (أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْدُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ ...) معجم الطبراني برقم/2573

 وأما محبته صلى الله عليه وسلم فإنها متولدة من حب الله تعالى , فالمسلم إذا علم أن محبة الله لا تتم إلا بطاعته ، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه سيحبه , قال تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ  ...} آل عمران/31
والحقيقة أن من يدقق في هذه الخطوة المفصلية للوصول إلى التلذذ بالعبادات وتذوق حلاوتها ... يدرك أن الحب هو أساسها , فمن المعلوم أن المحب يتلذذ بتنفيذ طلبات وأوامر المحبوب البشري وإن كان فيها شيء من الكلفة والمشقة , فكيف إن كان المحبوب الآمر هو الله سبحانه وتعالى !!

 ومن هنا فإن من أحبَّ الله ورسوله محبةً صادقة من قلبه ، أوجب له ذلك أنْ يُحبَّ بقلبه ما يُحبُّه الله ورسولُه ، وأن يكره ما يكرهان ، ويرضى بما يُرضى الله ورسوله ، ويَسخط ما يُسْخطُهُما ، وأنْ يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحبِّ والبغض ..... ومتى فعل ذلك شعر بلذة وسعادة لا يمكن مقارنتها بأي لذة أخرى بحال من الأحوال .

 ومتى تحقق في قلب المسلم تقديم حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على من سواهما , سهل عليه تحققه بالخطوتين الأخريين , فالمؤمن الذي أحب الله ورسوله لا يمكن أن يحب أحدا من خلقه إلا فيه أو أن يبغض أحدا إلا فيه , ناهيك عن أن من وصل إلى هذه الدرجة من حب الله ورسوله , يكره بالتأكيد أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار .

إن اتباع المسلم لهواه بعيدا عما يحبه الله ورسوله هو في الحقيقة أهم أسباب فقدان كثير من المسلمين لذة العبادة وطعمها , ولا علاج لهذه الظاهرة إلا بالعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , حيث الدواء الشافي لكل داء , والجواب الكافي لجميع استفسارات وأسئلة الإنسان .


اضافة تعليق