Advertisements

ما الفرق بين العباد والعبيد؟.. "الشعراوي" يجيبك

الثلاثاء، 02 يوليه 2019 01:45 م

" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ (1)قَالُوا سَلَامًا (63)" الفرقان


يقول العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي:

يعطينا الحق – تبارك وتعالى – صورة للعبودية الحقه ونموذجا للذين اتبعوا المنهج كأنه – سبحانه وتعالى – يقول لنا : دعكم من الذين اعرضوا عن منهج الله وكذبوا رسوله وانظروا الى أوصاف عبادي الذين امنوا بي ونفذوا أحكامي وصدقوا رسولي .

نقول : عباد وعبيد والتحقيق ان ( عبيد ) جمع لعبد وان ( عباد ) جمع لعابد مثل : رجال جمع راجل :



" وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا .. (27) " الحج



 اذن :  عبيد غير عباد .

وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين العبيد والعباد فكلنا عبيد لله تعالى : المؤمن والكافر والطائع والعاصي فما دام يطرأ عليه في حياته ما لا يستطيع أن يدفعه مع انه يكرهه فهو مقهور فالعبد الكافر الذي تمرد على الايمان بالله وتمرد على تصديق الرسول وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها .

فهل يعد أن ألف التمرد يستطيع أن يتمرد على المرض أن أصابه ؟ أو يستطيع التمرد على الموت ان حل بساحته ؟ اذن : فأنت عبد رغما عنك وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار .

أما المؤمن فقد خرج عن اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن او يكفر وتنازل عنه لمراد ربه فاستحق أن يكون من عباد الله " " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ..(63)" الفرقان





فنحن و أن كنا عبيدا فنحن سادة : لأننا عيد الرحمن لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله صلي الله علية وسلم في الإسراء هي عبوديته لله تعالى حيث قال :



" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ..(1) "الإسراء



 فالعبودية هي علة الارتقاء .

فلما اخلص رسول الله العبودية لله نال هذا القرب الذي لم يسبقه اليه بشر لذلك وصف الملائكة بأنهم



" عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) " الأنبياء



 وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الآمر هذا المعنى الذي قلناه في معنى العباد وهي قوله تعالى في الكلام عن الاخرة :



"  أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ .. (17) " الفرقان



 فقال للضالين ( عبادي) وهي لا تقال الا للطائعين لماذا ؟ قالوا : لان في القيامة لا اختيار لأحد فالجميع في القيامة عباد حيث انتفى الاختيار الذي يميزهم .

والعلماء يقولون : أن العباد تؤخذ منها العبادية و أن العبيد تؤخذ منها العبودية : العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله وينتهي عن نواهيه طمعا في ثوابه في الاخرة وخوفا من عقابه فيها .

 اذن : جاءت للعبادية لأخذ  ثواب الاخرة وتجنب عقابها .

 اما العبودية فلا تنظر الى الاخرة انما الى أن الله تعالى تقدم بإحسانه على عبيده إيجادا من عدم وإمدادا من عدم وتربية وتسخيرا للكون فالله يستحق بما قدم من إحسان أن يطاع بصرف النظر عن الجزاء في الاخرة ثوابا او عقابا .

اما العبودية فهي : الا ينظر العبد الى ما قدم من إحسان ولا ما اخر من ثواب وعقاب وإنما ينظر الى أن جلال الله يستحق ان يطاع وان لم يسبق له الإحسان و أن لم يأتي بعد ذلك ثواب وعقاب و أن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة (1) (1) هو احمد عرابي بن محمد عرابي زعيم مصري من تكت لهم الحوادث ذكرا في تاريخ مصر الحديث ولد في قرية هرية رزنة ( عام 1841 م ) من قرى الزقازيق بمصر جاور في الأزهر سنتين ثم انتظم في الجيش سنة (1855) وكان عمره 14 عاما حتى بلغ رتبة اميرلاي في أيام الخديوي توفيق توفي 1911 م عن 70 عاما انظر ( الأعلام للزركلي 1/168 ) متى استعبدتم   الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده اما العبودية لله تعالى فعز وشرف حيث يأخذ العبد خير سيده فهي عبودية سيادة لا عبودية قهر .



فحين تؤمن بالله يعطيك الله الزمام : يقول لك : أن أردت أن أذكرك فاذكرني وفي الحديث القدسي :" من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم "(2 ) (2) أخرجه احمد في مسنده ( 2/281 – 354 – 405 ) والبخاري في صحيحه ( 7405 – 7505 – 7537 ) والترمذي في سننه ( 3603 ) من حديث آبي هريرة رضي الله عنه .

قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وقد شرح الشيخ الشعراوي رحمه الله هدا الحديث القدسي في سلسلة " الأحاديث القدسية " ( 1/ 17- 25 ) بتحقيقنا .

و أن كان – سبحانه وتعالى – يستدعيك الى خمس صلوات في اليوم والليلة فما ذلك الا لتأنس بربك لكن أنت حر تأتيه في أي وقت تشاء من غير موعد وأنت تستطيع أن تحدد بدء للمقابلة ونهايتها وموضوعها .... الخ فزمام الأمر في يدك .

وقد تعلم سيدنا رسول الله خلق الله فكان اذا وضع يده في يد أحد الصحابة يسلم عليه لا ينزع يده منه حتى يكون هو الذي ينزع يده من يد رسول الله (1) (1) اخرج أبو الشيخ الاصبهاني في كتابه أخلاق النبي صلي الله عليه وسلم – ص 36 طبعة الدار المصرية اللبنانية 1993 ، وعن انس بن مالك قال : كان صلي الله عليه وسلم اذا صافح رجلا لم ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده ولا يصرف وجهه عنه حتى يكون هو الذي يصرف " .وهذا أدب من أدب الحق – تبارك وتعالى –

 اذن : فالعبودية لله تعالى عبودية لرحمن لا عبودية لجبار .

وأول ما نلحظ في هذه الاية انه تعالى أضاف العباد الى الرحمن حتى لا نظن أن العبودية لله ذلة وأن القران كلام رب وضع بميزان ثم يذكر – سبحانه وتعالى – صفات هؤلاء العباد في ذواتهم وصفاتهم مع مجتمعهم وصفاتهم مع ربهم وصفاتهم في الارتقاء بالمجتمع الى الطهر والنقاء .

اما في ذواتهم فالانسان له حالتان هما محل الاهتمام : اما قاعد وأما سائر ونخرج حال النوم لانه وقت سكون اما حال القعود فالحركة محدودة في ذاته والمهم حال الحركة والمشي وهذا هو الحال الذي ينبغي الالتفات اليه .



لذلك يوضح لنا ربنا – عز وجل – كيف نمشي فيقول :"



 " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63)" الفرقان



 يعني : برفق وفي سكينة وبلين دون اختيال او تكبر او غطرسة لماذا ؟ لان المشي هو الذي سيعرضك لمقابلة مجتمعات متعددة وهذا الأدب الرباني في المشي يحدث في المجتمع استطراقا انسانيا يسوي بين الجميع .

وفي موضع اخر يقول تعالى في هذه المسالة :



" وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ..(18)" لقمان



" إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) " الإسراء



وتصعير الخد ان تميله كبرا وبطرا واصله ( الصعر ) مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلا ومن أراد ان يسير متكبرا مختالا فليتكبر بشئ ذاتي فيه وهل لديك شئ ذاتي تستطيع ان تضمنه لنفسك او تحتفظ به ؟

ان كنت غنيا فقد تفتقر وان كنت قويا صحيحا قد يصيبك المرض فيقعدك وان كنت عزيزا اليوم فقد تذل غدا اذا : فكل دواعي التكبر ليست ذاتية عندك انما هي موهوبة من الله فعلام التكبر اذن ؟ لذلك يقولون في المثل ( اللي يخرز يخرز على وركه ) انما يخرز على ورك غيره ؟ واصل هذا المثل ان صانع السروج كان يأتي بالصبي الذي يعمل تحت يده وجعله يمد رجله ويضع السرج على وركه ثم يأخذ في خياطته فراه احدهم فرق قلبه للصبي فقال للرجل : انه ضعيف لا يتحمل هدا فان أردت فاجعله على وركك انت كذلك الحال هنا من أراد ان يتكبر فليتكبر بشئ ذاتي فيه لا بشئ موهوب له .

والمتكبر شخص ضرب الحجاب على قلبه فلم يلتفت الى ربه الأعلى . ويرى انه أفضل من خلق الله جميعا ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى ان يتكبر على خلق الله فتكبره دليل على غفلته عن هذه المسالة لذلك يقول الناظم :

فدع كل طاغية للزمان                   فان الزمان يقيم الصعر

يعني : سيرى من الزمان ما يقوم اعوجاجه ويرغم انفه



ومعنى " مَرَحًا ..(18) "لقمان

 المرح : الفرح ببطر والبطر : أن تأخذ النعمة وتنسي المنعم وتنعم بها وتعصي من وهبك إياها

 اذن : المنهي عنه الفرح المصاحب للبطر وإنكار فضلا لمنعم اما الفرح المصاحب للشكر فمحمود كما قال تعالى :



" قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ..(58) " يونس

 وفي موضع اخر يعلمنا أدب المشي فيقول :



" وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ .. (19)" لقمان



 وقالوا : ان المراد بالمشي الهون هو الذي يسير فيه الانسان على سجيته دون افتعال للعظمة او الكبر لكن دون انكسار وذلة وسيدنا عمر – رضي الله عنه – حينما رأى رجلا يسير متماوتا ضربه ونهاه عن الانكسار والتماوت في المشية وهكذا فمشيه المؤمن وسط لا متكبر ولا متماوت متهالك .

ثم تتحدث الية بعد ذلك عن صفات عباد الرحمن وعلاقتهم بالناس :"



" وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)" الفرقان



 والجاهل : هو السفيه الذي لا يزين الكلام ولا يضع الكلمة في موضعها  ولا يدرك مقاييس الامور لا في الخلق ولا في الأدب .

وسبق ان فرقنا بين الجاهل والأمي : ألامي هو خالي الذهن ليس عنده معلومة يؤمن بها وهذا من السهل إقناعه بالصواب اما الجاهل فعنده معلومة مخالفة للواقع لذلك يأخذ منك مجهودا في إقناعه لانه يحتاج أولا لان تخرج من ذهنه الخطأ ثم تدخل في قلبه الصواب .

والمعنى : اذا خاطبك الجاهل فحذار ان تكون مثله في الرد عليه فتسفه عليه كما سفه عليك بل قرعه بأدب وقل " سَلَامًا (63)" الفرقان  لتشعره بالفرق بينكما .

والحق – تبارك وتعالى – يوضح في اية أخرى ثمرة هذا الأدب فيقول :"  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) "فصلت

وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي (1) (1) هو : محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ابو عبد الله احد الأئمة الأربعة صاحب المذهب الشافعي واليه نسبة الشافعية ولد في غزة بفلسطين (عام 150 ه) زار بغداد مرتين وقصد مصر سنة 199 ه فتوفي بها (عام 204 ه ) عن 54 عاما وقبره معروف بالقاهرة ( الإعلام للزركلي 6/26 )

  في هذا المعنى :

اذا نطق السفيه فلا تجبه                  فخير من إجابته السكوت (2) هدا البيت ذكره ابو الحسن الماوردي في أدب الدنيا والدين ( ص 226 ) ولكن عزاء لعمرو ابن علي وانظر : ديوان الإمام الشافعي – طبعة مكتبة ابن سينا 1988 ص 38 فقد ورد فيه هذان البيتان .

فان كلمته فرجت عنه                  وان خليته كمدا يموت

فان اشتد السفيه سفاهة وطغى عليك وتجبر فلابد لك من رد العدوان بمثله لانك حملت عليه فلم يتواضع لك وظن حلمك ضعفا وهنا عليك ان تريه الفرق بين الضعف وكرم الخلق كالشاعر(3) (3) هو : شهل بن شيبان بن زمان الحنفي الشهير بالفند الزماني من بني بكر بن وائل شاعر جاهلي كان سيد بكر في زمانه وفارسها وهو من أهل اليمامة شهد حرب بكر وتغلب وقد ناهز عمره المئة توفي نحو 70 ق ه وسمي الفند لعظم خلقته ( الأعلام 3/ 17 ) .

 الذي قال :

صفحنا عن بني دهل                     وقلنا القوم أخوان

عسى الأيام ان ير                        جعن قوما كالذي كانوا

فلما صرح الشرف أم                    سي وهو عريان

ولم يبقي سوى العدوا                   ن دناهم كما دانوا

مشينا مشية الليث                       غدا والليث غضبان

بضرب فيه توهين                  وتخضيع وإقران

وطعن كفم الزق  (1) الزق : السقاء وهو كل وعاء اتخذ لشراب و نحوه وهو من الجلد ( لسان العرب – مادة : زقق ) .                              غدا والزق ملأن

وفي الشر نجاة حيــ                 ـــن لا ينجيك إحسان

وبعض الحلم عند الجهـــــ          ـــل للذلة إذعان

وللإمام علي كرم الله وجهه :

اذا كنت محتاجا الى الحلم إنني                      الى الجهل في بعض الأحايين أحوج

ولي فرس للحلم بالحلم ملجم                          ولي فرس للجهل بالجهل مسرج

فمن رام تقويمي فاني مقوم                          ومن رام تعويجي فاني معوج

ومعنى : " قَالُوا سَلَامًا (63)" الفرقان

 قالوا : المراد هنا سلام المشاركة لا سلام الأمان الذي نقوله في التحية ( السلام عليكم ) فحين تتعرض لمن يؤذيك بالقول ويتعدى عليك باللسان تقول له سلام يعني : سلام المتاركة .

وبعض العلماء يرى ان كلمة " قَالُوا سَلَامًا (63)" الفرقان

هنا تعني المعنيين : سلام المتاركة وسلام التحية والأمان فحين تحلم على السفيه فلا تجاريه تقول له : لو تماديت معك سأوذيك وافعل بك كذا وكذا فانت بذلك خرجت من سلام المتاركة الى سلام التحية والأمان .

ومن ذلك قوله تعالى :



" وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)"  القصص



 ألم يقل ابراهيم – عليه السلام – لعنه ازر لما إصر على كفره :



" قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ..(47) " مريم



 والمعنى : لو وقفت أمامك لربما اعتديت عليك وتفاقمت بيننا المشكلة .

اضافة تعليق