خامس الفقهاء يناظر أبو جعفر المنصور ..لهذا السبب رفض ولاية مصر.. وحرم قبول الولاة للهدايا

الإثنين، 01 يوليه 2019 04:30 م
كبير الديار المصرية  وهذه أهم معاركه
كبير الديار المصرية وهذه أهم معاركه

شَيْخُ الإِسْلاَمِ الإِمَامُ الحَافِظُ العَالِمُ أَبُو الحَارِثِ اللَّيْثُ بنُ سَعْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَهْمِيُّ القَلْقَشَنْدَي "94 هـ/713 م - 175 هـ/791 م" فقيه ومحدث وإمام أهل مصر في زمانه، وصاحب أحد المذاهب الإسلامية المندثرة. وُلد في قرية قلقشندة في شمال مصر ، وأسرته أصلها فارسي من أصبهان.

كان أحد أشهر الفقهاء في زمانه بل أن الكثيرين لقبوه بخامس الفقهاء الأربعة ، فاق في علمه وفقهه إمام المدينة المنورة مالك بن أنس، غير أن تلامذته لم يقوموا بتدوين علمه وفقهه ونشره في الآفاق، مثلما فعل تلامذة الإمام مالك.

الإمام الشافعي كان يقول عن مناقبه : "اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ إِلاَّ أَنَّ أَصْحَابَه لَمْ يَقُوْمُوا بِهِ" بلغ مبلغًا عاليًا من العلم والفقة الشرعي بِحيثُ إِنَّ مُتولِّي مصر، وقاضيها، وناظرها كانوا يرجعون إِلى رأيه، ومشُورته. عرف بأنه كان كثير الاتصال بمجالس العلم، بحيث قال ابن بكير: "سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَمائَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِيْنَ سَنَةً".

لما ذاع صيته لعلمه وفقهه استدعاه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، ليقابله في بيت المقدس وكان للمنصورولعا بالعلم والأدب، وناظره المنصور، فأعجب به .. وعرض أن يوليه مصر ولكن الليث يريد أن يحيا حياته بعيدا عن هموم المسئولية السياسية، متفرغا للعلم.

الإمام الليث اعتراه الخجل أن يصرح بعذره للخليفة، وتعلل بأنه لا يصلح لهذا قائلا: "يا أمير المؤمنين. إني أضعف من ذل كالرجل من الموالي" فقال المنصور: "ما بك من ضعف معي، ولكن ضعف نيتك في العمل عن ذلك لي .. لقد أعجبتني .. اكثر الله في الرعية من أمثالك." وأجزل له المنصور العطاء.

الليث بن سعد ولزهده وتقشفه وزع كل ما أخذه على المحتاجين قبل أن يغادر بيت المقدس .. وعاد إلى مصر في موكب فخيم يصحبه ثناء المنصور عليه ولقد نصح المنصور لأهل العلم في العراق وسائر الأمصار أن يذهبوا إلى الفسطاط، فيتلقوا عن هذا الفقيه المصري الشاب.

الخليفة العباسي أخذ يعدد ميزات الأمام الليث قائلا لم أجد أفقه منه بالشريعة، ولا أحفظ منه للحديث، ولا أحفظ منه للحديث، ولا أحد منه بصيرة أو أذكى جنانا أو أفصح لسانا، ولا أعدل أو أعف، أو أوسع علما بمعارف الأوائل وحكمتهم، ولا قدرة على الاستنباط، ولا أسلم منه رأيا..! ثم إن المنصور أرسل إلى والي مصر وقاضيها أن يستشيرا الليث بن سعد في كل أمورهم.

بعض الفقهاء العرب لم يستطيعوا قبول أن يضع المنصور أحد الموالي "الليث " في هذه المكانة فوق الوالي العربي والقاضي العربي، فأخذوا يكيدون لليث بن سعد حسدا من عند أنفسهم وأرسل أحدهم إلى الخليفة المنصور: أمير المؤمنين تلاف مصر..فإن أميرها ليس بن سعد.. عسى أن يتوهم الخليفة أن الليث بن سعد يستغل رضا الخليفة عنه، فيتعالى على الوالي والقاضي.

محاولة الوشاية بين الخليفة العباسي والإمام الليث لم يكتب لها النجاح  فأصدر الخليفة أمرا وأعلنه على الملأ أن الليث بن سعد هو أعلم رجال عصره بالشريعة واللغة والشعر، وهو أكثرهم تحريا للعدل وتوقيا للشبهات تحرجا وعفة .. وهو من أجل ذلك ينصبه كبيرا للديارالمصرية ورئيسها، بحيث لا يقضي في مصر شيء إلا بمشورته، ويصبح الوالي والقاضي تحت أمر مشورته .

بل أن الخليفة زجر هؤلاء العرب المتعصبين لعروبتهم، المنكرين على الموالي حسن بلائهم وارتفاع مكانتهم، واستشهد في زجرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها. فالناس رجلان: بر تقي، كريم على الله، فاسق شقي، هين على الله، والناس كلهم بنو آدم.

وهكذا أعلن الخليفة تأييده للموالي، ودعم الليث بن سعد دعما حاسما ولكن الليث احسن استخدام هذه الثقة لإفادة الرعية .. فما كان يفرض رأيه على الموالي أو القاضي مهما يختلف معهما، ولكنه إن وجد في أوامر االوالي أو قضاء القاضي ما يظلم أحدا كتب إلى الخليفة فيأخذ برأي الليث.

وكان أشد ما يسوء الليث بن سعد من ولاة الأمر أن يقبل أحدهم هدية وكان يجهر في مجالسه أنه إذا دخلت الهدية من الباب، خرجت العدالة من النافذة.. وكان ينصح كل صاحب منصب ألا يقبل هدية من أحد من الرعية، وإن لم يكن للمهدي حاجة،

فقيه مصر كان يقول :فإذا قبل صاحب المنصب النصيحة ورفض الهدية شكره، أما إذا أبى، كتب للخليفة فعزله. وقد عاتب أحد المعزولين الليث بن سعد فقال: "نصحتك فلم تنتصح، ومصلحة الرعية أولى وما صبري على ظلم الرعية؟" وكان المعزول لا يملك إلا راتبه، فأجرى عليه الليث راتبه من ماله الخاص.

اضافة تعليق