"وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم".. "الغيبة والنميمة" أسهل الطرق إلى جهنم

الإثنين، 01 يوليه 2019 03:57 م
النصح محبة


يخوض أغلب الناس في وقتنا الحاضر في أعراض بعضهم بعًضا، حتى أصبحت الغيبة والنميمة والحديث في أعراض النساء عادة يومية لا يغفل عنها الناس وكأنها أصبحت عبادة لهم.

والغيبة مجرمة ومحرمة في الإسلام، وتعد الطريق الأسهل لكي يدخل صاحبه نار جهنم، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم محذرا معاذ بن جبل حينما أَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: "كُفَّ عَلَيْك هَذَا. قُلْت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!".

 ومن هنا حرص الإسلام على استقرار المجتمع المسلم ، وخلوِّه من المشاحنات والمنازعات ، وحمايته من أسباب الفرقة والتمزق ، حتى لا يكون مجتمعاً ضعيفاً هزيلاً ، منهاراً غير صامد أمام الأعداء ، فإن قوة تماسك المجتمع سبب هام لقوة الأمة وعزتها ، وضعف المجتمع سبب يؤدي إلى هوان الأمة وذلَّها .

 وتعد الغيبة والنميمة من أخطر السلوكيات التي تزرع الضغينة بين أفراد المجتمع وتعين معاول الهدم على تقويض أركانها وخلخلتها، وهما صفتان ذميمتان من كبائر الذنوب والمعاصي، وقال الله تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) [الحجرات:12].

 وفي هذه الآية يشبّه الله سبحانه وتعالى، المغتاب بآكل لحم الميت من أخيه الإنسان ، والغيبة محرمة سواء أكان الشيء أو الوصف المغتاب به موجوداً في الغائب أو لا.. فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة السلام قال: (أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته). رواه مسلم.

وعمل القرآن الكريم والشرع الشريف على حماية أعراض الناس وحرم المساس به كحرمة الاعتداء على الأموال والدماء تماماً ، وقد ورد في الحديث المتفق عليه عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا هل بلَّغت) رواه مسلم.

وروى أبو داود والترمذي عن عائشة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة: تعني قصيرة. فقال صلى الله عليه وسلم: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. قالت: وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا).

وصور النبي صلى الله عليه وسلم عذاب المغتابين يوم القيامة بصورة منفرة ، فقد روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما عرج بي مررت بأقوام لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم).

تحريم سماع الغيبة

وبما أن الغيبة حرام ، فسماعها أو الاستمتاع بالحديث فيها حرام أيضاً ، لأن المسلم مطالب بالنصيحة وطلب الكف عن الغيبة ، فالمستمع أحد المغتابين ، لأن السامع رضي بالمنكر ، وفي ذلك قال الله تعالى  (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) [القصص:55] ووصف المؤمنين بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) [المؤمنون:3].

ويحاسب الإنسان يوم القيامة عن كيفية استعماله لحواسه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء:36] ، وقال تعالى واصفاً رسوله وآمراً له بالإعراض عن اللغو ، فقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الإنعام:68].

وروى الإمام الترمذي عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رد عن عرض أخيه رد الله النار عن وجهه يوم القيامة).


وحرم الإسلام أن يطعن أحد في أخيه المسلم الغائب ولو كان في العيب حقاً ، فقد روى عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم (أين مالك بن الدُّخشم؟) ، فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله تعالى ولا رسوله ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله؟ يريد بذلك وجه الله تعالى ، وإن الله تعالى قد حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).

وفي هذا الأدب الرفيع منع الغيبة وتحريمها مظهر من مظاهر التضامن الاجتماعي في الإسلام لإنكار المنكر ، وإقرار المعروف ، وهو أدب يتطلب الستر على الأخ والحفاظ على سمعته وكرامته ، وتحسين الظن به ومنع إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ومحاربة كل أنواع الانحراف ، لأن التحدث بها يغري البرآء ويُضعف الوازع الديني ويشجّع على اقتراف المعاصي واستحلال عرض الغير وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذراً منها: (ألا أدلكم على أربى الرِّبا ؟ قالوا: بلا يا رسول الله ، قال: أن يستحل المسلم عرض أخيه). أي: أن يغتابه.



اضافة تعليق