وسطية.. وتيسير.. تعرف على الفرق بين "حج المسلمين" وحج الأديان الأخرى

الأحد، 30 يونيو 2019 02:43 م
وسطية الإسلام في شعائر الحج

 يعد الحج أحد أركان الإسلام الخمسة التي كشفت وسطيته واتجاهه العام للتيسير والوسطية، ورفض الغلو والتطرف في العبادة، كما فرقت بينه وبين شعائر الديانات الأخرى، وكشفت مناط الاختلاف التي بينت كمال الإسلام عن غيره، خاصة وأن الشعار الذي رفعه هذا الركن الأعظم في القرآن "من استطاع إليه سبيلاً".

 فكان الحج عند اليهودية القديمة إلى هيكل النبي سليمان في القدس لمرة واحدة على الأقل في العام فرضًا واجبًا على كل بالغ، مع وجوب تقديمه للقرابين وإشعال النيران وقراءة أجزاء من الكتاب المقدس .


أما الحج في الإسلام جعل النبي صلى الله عليه وسلم، أركانه مساوية للجهاد في سبيل الله، كما جعله كالجهاد أيضا بالنسبة للمرأة، للجهد العظيم الذي يبذل في الحج .



فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ».

عظَّم الله أجر الحج والعمرة، ووعد عليه أعظم الثواب، قال رسول الله: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ» .


الحج = اليسر

ويسر الله الحج على المسلمين حتى يتحمله أغلبهم إلا من عُذِرَ بأعذار خاصة، وهؤلاء يسقط عنهم فرض الحج، لأن الله جعله للمستطيع فقط.. قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97].

ومن التيسير أن الله فرض الحج مرة واحدة في العمر كله، رحمة كبيرة، وتقدير لظروف عموم الناس.

كيف رفع النبي شعار التيسير في الحج؟

وقف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا يخطب في الناس فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».

كان النبي قادرًا على الحج كل عام، بل من المؤكد أنه كان يشتاق لمثل هذه العبادة الجليلة، لكنه لا يريد أن يقيس الأمر على نفسه، بل يريد أن يقيس الأمر على عموم المسلمين، وذلك بمن فيهم من الضعفاء والكبار والنساء بل والمشغولين أو غير المشتاقين إلى هذه العبادة؛ والرجل يسأل ويكرر: أفي كل عام يا رسول الله؟ والرسول لن يجيب بنعم إلا إذا أراد الله، ولكنه يعلم أن الأمة -كما ذكرنا قبل ذلك- إذا شدَّدت على نفسها شدَّد الله عليها، ولذلك ذكَّرهم رسول الله بما حدث مع الأمم السابقة التي كانت تُكْثِر من الأسئلة دون احتياج، والرسول يريد أن يرحم هذه الأمة، وينقذها من أي هَلَكَة.

حج النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة في حياته! ولو راجعت السيرة النبوية لوجدت أن مكة قد فُتِحَت في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، وكانت أمامه فرصة الحج في السنة الثامنة ثم التاسعة، لكنه اكتفى بالحج في السنة العاشرة.

ويبرر بعض العلماء حج النبي صلى الله عليه وسلم لمر واحدة، بأنه أراد أن يكون القدوة لأمته في الحج مرة واحدة في العُمْر، رغم إن هناك نصوصًا تدل على فضل تتابع الحج والعمرة، إلا أنه أراد أن يرفع الحرج عن عموم المسلمين، وذلك رحمةً بهم؛ فلو حَجَّ مرتين مثلاً لأراد المسلمين أن يقتدوا به في عدد مرات حجه، وبالتالي يصبح هذا مشقة عليهم، وهو ما ترفضه رحمته؛ ومن ثَمَّ اختار أن يحج مرة واحدة مع شوقه إليه.

ومن دلائل رحمته بالحجاج في هذه الحجة أنه كان يعلم أن مناسك الحج غير مشهورة بين الناس كمناسك الصلاة والصيام، وذلك لأن الحج لا يتكرر إلا قليلاً، وقد لا يتكرر أبدًا في حياة الإنسان، ولذلك كان يقبل بتغييرات في ترتيب المناسك، ولا يلوم أبدًا فاعليها.

وروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من أن رسول الله وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ فَيَقُولُ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَارْمِ وَلا حَرَجَ، قَالَ: وَطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، فَيَقُولُ: انْحَرْ وَلا حَرَجَ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ وَيَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهَا إِلا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: افْعَلُوا ذَلِكَ وَلا حَرَجَ» .

ومن دلائل رحمته أيضًا بالحجاج أنه نام في المزدلفة من بعد وصوله وصلاته للمغرب والعشاء جمعًا، وذلك إلى صلاة الفجر ، ولم يَرِدْ عنه أنه صلى هذه الليلة قيامًا ولا صلى وترًا، وهذا من رحمته بالمسلمين، فهو يعلم مدى المشقة التي كانت في يوم عرفة والدفع من عرفة إلى المزدلفة، فأراد أن تكون سُنَّته التي يقلده فيها مَن في المزدلفة هي النوم الهادئ المريح غير المقطوع باستيقاظ أو صلاة.

 ومن دلائل رحمته أيضًا أنه أَذِنَ للضعفاء أن يتركوا المزدلفة ليلاً قبل الفجر لكي يدركوا الجمرات قبل الازدحام، تقول عائشة رضي الله عنها: «نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتْ امْرَأَةً بَطِيئَةً فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ».

 ومن رحمته أنه رمى الجمرات بحصى مثل حصى الخذف ، وهو حصى صغير في حجم حبة الباقلاَّ كما يقول الإمام النووي ، وهذا الحجم الصغير حتى لا يؤذي إنسانًا بطريق الخطأ.

وما دل على ذلك من القرآن : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، فالمسلم لا يثاب على المشقة؛ إلا إذا كان لا يمكن أن يأتي بالعبادة إلا بها، فيؤجر على المشقة إذا كانت وسيلة للعبادة، أما تقصُّد المشاقِّ وطلبها، فلا يؤجر عليها المسلم، وكيف يؤجر على شيء لا يريده الله منا ولا يرضاه؟.


فكان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الحج: ((افعل ولا حرج))؛ لكن هذا التخفيف في الحج مضبوط بالنصوص الشرعية، وليس وفق الهوى، فمِن الخطأ حينما يفهم البعض أن: ((افعل ولا حرج)) تبيح كلَّ شيء، حتى ربما استدل بذلك مَن لا يملك آلية الاستدلال والاجتهاد.

وفي الحج أذن النبي للضَّعفاء أن يدفعوا من مزدلفة إلى منًى قبل الناس؛ حتى لا يضايقهم الأقوياء أثناء دفعهم إلى منى، فقد كان عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - يقدِّم ضعفةَ أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيَذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم مَن يقدم منًى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رمَوا الجمرة، وكان ابن عمر - رضي الله عنه – يقول: "أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

كما تم جواز تقديم بعض أعمال يوم العيد على بعض، فالسُّنة يوم العيد رمي جمرة العقبة أولاً، ثم ذبح الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، هذا فعل النبي؛ لكن مَن قدم بعض هذه الأشياء على بعض جاز، قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "زرت قبل أن أرمي؟"، قال: ((لا حرج))، قال: "حلقت قبل أن أذبح؟"، قال: ((لا حرج))، قال: "ذبحت قبل أن أرمي؟"، قال: ((لا حرج)).

كما أجاز النبي تأخير رمي يوم الحادي عشر إلى يوم الثاني عشر، لأهل الأعذار؛ فعن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه - رضي الله عنه -: "أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر".

فأذِنَ النبي لرعاة الإبل في جمع رمي يومين، فيقاس عليهم مَن عذرُهم مثلهم أو أشد منهم، فإذا كان يشق الرمي؛ لبُعد المكان، أو لضعف الحاج، أو لكبر سِنه، أو مرضه، وكذلك مَن يقدمون خدمةً للحجاج، سواء كانوا يعملون في القطاع الحكومي، أو في مؤسسات خاصة، فيجوز لهم أن يؤخر رمي يوم الحادي عشر إلى اليوم الثاني عشر، فيرمي المؤخر أولاً جمار الحادي عشر، فإذا فرغ من الجمار الثلاث، رمى جمار الثاني عشر، أمَّا إذا كان التأخير لغير عذر، فلا يجوز؛ لفعلِه - صلى الله عليه وسلم - حيث لم يؤخره النبي.

ومن التيسير في رمي الجمار: أن وقتها موسع، فآخر وقت رمي جمرة العقبة ما لم يطلع فجر اليوم الحادي عشر، فقد حدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -بداية وقت رمي جمرة العقبة، ولم يحد نهايته.

ومن مظاهر التيسير في الحج: أن مَن أخَّر طواف الإفاضة، وطافه قبل رجوعه إلى بلده، ولو سعى بعد الطواف، أجزأه عن طواف الوداع، كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد لمَن دخل والإمام يصلي.

ومن مظاهر التيسير في الحج: سقوطُ طواف الوداع عن الحائض والنفساء، فيجب على الحاج إذا فرغ من حجِّه أن يطوف طواف الوداع، ثم يرجع إلى أهله؛ لكن خُفِّف عن الحائض والنفساء، فلا يجب عليهما البقاء في مكة حتى تطهرا ثم تودعان، فعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "أُمِر الناسُ أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت؛ إلا أنه خفف عن الحائض".

ومما يسقط بالعجز: المبيتُ بمنى أيام التشريق، فإذا لم يكن للحاج خيمة في منى يبيت بها أيام التشريق، فليبتْ بمكانه الذي هو فيه، ولا يجب عليه أن يأتي لمنى ويبحث عن مكان، فما يفعله بعض الحجاج من المبيت في أماكنَ قذرةٍ، أو في الشوارع والطرقات، فهذا مما لا تأمر به الشريعة؛ بل تنهى عنه، فعن حذيفة بن أسيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((مَن آذى المسلمين في طرقهم، وجبتْ عليه لعنتُهم)).

وعن عائشة قالت: "ما خُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه".

وقد غضب النبي على مَن لم يقبل الرخص، وظن أنها تقدح في كمال تقوى الشخص، أو أنها تبعده عن ربه؛ فعن عائشة قالت: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمرٍ، فتنزَّه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: ((ما بال أقوام يرغبون عما رُخِّص لي فيه؟! فوالله لأنا أعلمُهم بالله، وأشدهم له خشية)).

اضافة تعليق