"إسماعيل" أبر أباه.. ففداه الله بذبح عظيم.. وجعل فداءه عيدًا للمسلمين

السبت، 29 يونيو 2019 02:24 م
الحج


تتزامن أيام وموسم الحج المباركات مع ذكرى فداء الله تعالى لنبي الله إسماعيل، عليه السلام، أول غلام وهبه الله لإبراهيم عليه السلام، من هاجر التي وهبها ملك مصر لزوجته سارة.

وفي قصة إسماعيل من التضحيات التي عرفناها مع أبيه إبراهيم عليهما السلام حين عرض عليه رؤياه، ورأينا كيف استجاب لأمر الله واستسلم لقضائه، وأنصف أباه من نفسه، وامتثل له لينفذ فيه ما رآه في منامه، صابراً محتسباً، لم يعكر صفو إيمانه يعاب به أو يعاتب عليه، وقد اشترك مع أبيه في بناء البيت الحرام، وغيرَ ذلك مما تقدم ذكره في قصته مع أبيه وأمه.

وعلى الرغم من أن لإبراهيم عليه السلام من الولد الكثير، إلا أن إسماعيل كان بكره، وظل وحيده أكثر من ثلاث عشرة سنة، ثم رزقه الله بإسحاق من سارة، ثم تزوج بعدها «قنطورًا بنت يقطن» الكنعانية، فولدت له ستة: مدين، وزمران، وسرج، ويقشان، ونشق، ولم يسم السادس.

ثم تزوج بعدها «حجون بنت أمين» فولدت له خمسة: كيسان، وسورج، وأميم، ولوطان، ونافس.

 إلا أن إسماعيل وإسحاق هما أشهر أولاده، وأكرمهما وأرفعهما منزلة عند الله، ورثا من أبيهما النبوة والكتاب والعلم والحلم.

 عاش إسماعيل بمكة مع أمه هاجر بين جبال فاران في جوار عصبة من قبيلة جرهم، ونشأ بينهم نشأة كريمة، وأحبهم وأحبوه، وتكلم بلغتهم العربية، وكان أفصحهم لسانًا وأعذبهم بيانًا، فأعده الله للرسالة، ومن شأن الرسول أن يكون أفصح القوم وأجدرهم على التعبير عن مراده، وأصدقهم قولاً، وأقومهم سبيلاً، وأقواهم حجة، وهو الوارث لأبيه في ذلك وغير ذلك من المحامد العلية، والصفات المرضية.

 ولما بلغ إسماعيل مبلغ الرجال تزوج امرأة من العماليق يقال لها «عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي».

وماتت أمه هاجر رضي الله عنها وجاء إبراهيم عليه السلام بعدها تزوج إسماعيل عليه السلام فلم يجده، فسأل امرأته، فقالت: خرج يبتغي لنا رزقًا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرّ (في ضيق وشدة). وشكت إليه، فقال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟، فقالت: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أننا في جهد وشدة.

 قال: فهل أوصاك بشيء؟. قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها وتزوج من جرهم امرأة أخرى.

ولبث عنهم إبراهيم عليه السلام ما شاء الله ثم أتاهم بعد، فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا رزقاً، قال: كيف أنتم؟، وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟، قالت: اللحم، قال: ما شرابكم، قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟، قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة- وأثنت عليه- فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟، قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأمرني أن أمسكك.

ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبرى نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: وتعينني، قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

مناقب إسماعيل

كان إسماعيل عليه السلام هو أول من ركب الخيل واستأنسها بعد أن كانت متوحشة، وقال ابن كثير في البداية: قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه حدثنا شيخ من قريش حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها ميراث أبيكم إسماعيل».

وقد أنجب إسماعيل عليه السلام من الزوجة الثانية وهي «السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي» اثنى عشر ولدًا ذكرًا.

ولقد لقى إسماعيل عليه السلام ربه عز وجل بعد عمر جاوز مائة وسبعاً وثلاثين سنة. ودفن مع أمه هاجر بالحجر، وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه «نابت» و«قيذار»، وإسماعيل عليه السلام هو أبو العرب المستعربة، ونحن المصريين ننتسب إليه من جهة هاجر، وهي قبطية من بنات مصر.

 إسماعيل هو الذبيح

ينقل المسلمون عن بعض أهل الملل الأخرى، أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وهو مذهب عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وأبي عمرو بن العلاء، وهو رواية عن ابن عباس كما نقله البغوي عنهم.


وقد بسط المحققون أدلة ذلك، فقد قال شيخ الإسلام في المنهاج: والذبيح على القول الصحيح ابنه الكبير إسماعيل كما دلت على ذلك سورة الصافات وغير ذلك فإنه قد كان سأل ربه أن يهب له من الصالحين فبشره بالغلام الحليم إسماعيل فلما بلغ معه السعي أمره أن يذبحه لئلا يبقى في قلبه محبة مخلوق تزاحم محبة الخالق.. وكذلك في التوراة يقول: اذبح ابنك. وحيدك وفي ترجمة أخرى: بكرك.

ولكن ألحق المبدلون لفظ إسحاق وهو باطل فإن إسحاق هو الثاني من أولاده باتفاق المسلمين وأهل الكتاب فليس هو وحيده ولا بكره وإنما وحيده وبكره إسماعيل.


ولما ذكر الله قصة الذبيح في القرآن قال بعد هذا: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ. وقال الآية الأخرى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ. فكيف يبشره بولد ثم يأمره بذبحه، والبشارة بإسحاق وقعت لسارة وكانت قد غارت من هاجر لما ولدت إسماعيل، وأمر الله إبراهيم أن يذهب بإسماعيل وأمه إلى مكة ثم لما جاء الضيف وهم الملائكة لإبراهيم بشروها بإسحاق، فكيف يأمره بذبح إسحاق مع بقاء إسماعيل، وهي لم تصبر على وجود إسماعيل وحده بل غارت أن يكون له ابن من غيرها، فكيف تصبر على ذبح ابنها وبقاء ابن ضرتها! وكيف يأمر الله إبراهيم بذبح ابنه وأمه مبشرة به وبابن ابنه يعقوب! وأيضاً فالذبح إنما كان بمكة وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قرني الكبش في البيت فقال للحاجب: إني رأيت قرني الكبش في الكعبة فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في الكعبة شيء يلهي المصلي. وإبراهيم وإسماعيل هما اللذان بنيا الكعبة بنص القرآن وإسحاق كان في الشام.

والمقصود بالأمر بالذبح أن لا يبقى في قلبه محبة لغير الله تعالى وهذا إذا كان له ابن واحد فإذا صار له ابنان فالمقصود لا يحصل إلا بذبحهما جميعًا، وكل من قال إنه إسحاق فإنما أخذه عن اليهود أهل التحريف والتبديل كما أخبر الله تعالى عنهم.

 وأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة هود، فهو قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ. لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه وهو صغير وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.

اضافة تعليق