حتى لا تندفع للرذيلة بداعي الفشل واليأس.. كيف تحمي نفسك من السقوط للهاوية؟

السبت، 29 يونيو 2019 01:18 م
قبل أن تندفع للرذيلة بداعي الفشل واليأس


يتعرض الإنسان لبعض المطبات الحياتية التي تؤثر على درجة إيمانه، ومن ثم تؤثر على سلوكياته وأخلاقه بشكل كبير، خاصة إذا ارتبطت ببعض العوارض التي تضرب في معنوياته؛ مثل الفشل في الدراسة، أو العمل، أو الزواج، الأمر الذي يؤدي لدخوله في حالة من الاكتئاب واليأس، تدفعه إلى المعصية، فينقص إيمانه، وربما يندفع إلى بعض النوازع الشهوانية التي تحركه بالتزامن مع هذا الفشل.

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمنٌ، ولا يشرب الخمرَ حين يشربها وهو مؤمنٌ)).

فمع حالة الاكتئاب واليأس والفشل، قد يرى الإنسان في فشله دافعًا للانتقام من المجتمع، فيقرر أن يعوض فشله في الزواج بالزنا، والاندفاع نحو الرذيلة، كما يعوض فشله في العمل بالاندفاع إلى السرقة أو الرشوة.


سلوك الإنسان وأخلاقَه وتصرفاتِه في الحياة مظهرٌ من مظاهر عقيدته في حياته الواقعية وممارساته اليومية، فإن صلَحت العقيدة الإيمانية صلَح السلوك واستقام، وإذا فسَدت فسد واعوجَّ، ومن ثَمَّ كانت عقيدة التوحيد والإيمان بالله ضرورةً، لا يستغني عنها الإنسان؛ ليستكمل شخصيته، ويحقق إنسانيته، وقد كانت الدعوة إلى عقيدة التوحيد أول شيء قام به الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتكون حجر الزاوية في بناء الأمة المسلمة.

فإذا سيطرت النوازع الشهوانية على الإنسان قل إيمانه، وفسدت عقيدته، خاصة وأن عقيدة التوحيد على النفس الإنسانية، هي التي تثمر الفضائل الإنسانية العليا، فتسمو النفس عن الماديات الوضيعة، وتتَّجه دائمًا نحو الخير والنبل، والنزاهة والشرف، ويتخلق صاحبُها بالشجاعة والكرم، والسماحة والطمأنينة، والإيثار والتضحية.

والمسلم إذا تمكنت العقيدة الإيمانية من نفسه تبرَّأ من الأشياء التي تفسد إيمانه، وأفعال الكافرين التي ربما يندفع إليها البعض بداع التحرر والحرية المزعومة، فيعتنق أفكار اليهود، والنصارى، والوثنين، أو الملحدين، أيًّا كان لونهم أو فكرهم، وما هم عليه من عقائد وأفعال، وسلوك وأخلاق.

كما أن الإنسان المسلم إذا حافظ على توازنه أمام هذه المطبات الحياتية انطلق يلتمس قدوته من الرسل وآخرهم النبي محمد  صلى الله عليه وسلم، ومن الصحابة الذين ربَّاهم على يديه - صلى الله عليه وسلم - فكانوا هم النموذجَ الفريد من الرَّعيل الأول، والذين قال عنهم: [خير القرون قرني]، فكانوا قممًا شامخة، ارتفعوا فوق جواذب الجاهلية ومفاتن الدنيا وما فيها من مغريات.

وإذا التزمت الأجيال المسلمة بالسلوكيات التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم ومن الأخلاق الفاضلة التي لم تتغيَّر من فرد إلى فرد، ولا من جيل إلى جيل، ولا من مجتمع إلى آخر، بل هي قيم ثابتة تزداد ثباتًا كلما مرَّت الإنسانية في تجارِبها خلال هذه الحياة، فهي أخلاق متكاملة تحتضن جميع الفضائل والأعمال الخيرة لصالح الفرد والمجتمع وفي جميع الميادين.

فالهدف الأصيل للمسلم أن يحقق مرضاة ربِّه في الآخرة، قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}[الزلزلة: 7، 8]، كما أن المسلم يحقِّق سعادته في الدنيا قبل الآخرة، يقول تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]، فالسرور ثمرة عملية لمن يتحلَّى بالأخلاق الفاضلة، والطمأنينة القلبية والشعور بخيرية الذات وخيرية المصير، وهذه من ثمرات الانسجام بين الإيمان والأخلاق، وذلك نتيجة طبيعية؛ لأن الإنسان عندما يتصرَّف بمقتضى عقيدته يشعرُ بأنه إنسان خيِّر قويُّ الإرادة، يتغلب على نوازعه الشريرة وشهواته، ويرتفع بنفسه إلى ما يُرضِي ربه، هذا في الدنيا، فهو في كل عمل يعمله - سواء كان هذا العمل مع نفسه، أو مع ربه، أو مع الناس - يدرك أن الله معه، ويتذكر دائمًا أن الله مطَّلع عليه، يقول: (الله مطلع علي، الله يراني)، ويتذكر قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق:18]، رقابة من الله ومن الملائكة لحظة بلحظة، فهل يمكن أن يفكِّر أن يعصيه، أو يتمرد عليه وهو تحت رقابته؟ وإذا هو استطاع أن يفلت من عقوبة الدنيا ومحاكم الدنيا، فهل يمكنه أن يهرب من عقوبة الله في الآخرة؟ قال - تعالى -: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء:47].

وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الله ليُملِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلِته]، والظلم درجاتٌ؛ ظلم المرء لنفسه بمعصية الله ومعصية رسوله، وظلمٌ لغيره من الناس، فأما ظلمه لنفسه، فإن الله يغفره له بالتوبة، أما ظلمه لغيره، فإن الله لا يغفره حتى تُرَدَّ الحقوق والمظالم إلى أصحابها، فإذا أيقن المؤمن ذلك، وعَرَف أن ذلك حق، وأنه لا يمكنه الهرب من الله إلا إليه، وأن عقوبة الآخرة أشدُّ وأعظم من عقوبة الدنيا، وتأكد عنده يقينًا أنه لن يُفلِتَ من العقوبة، فهل سيعصي الله، أو يخالف أوامره، أو يسرق مال غيره، أو يقتل غيره، أو يغش غيره، أو يقطع الطريق لنهب أموال غيره، أو يستولي على أرض غيره بدون وجه حق، أو يغتاب غيره، وغيرها من الذنوب والمعاصي؟!.

في الوقت الذي تضرب حياتنا المعاصرة، مظاهر الاضطراب في السلوك هو الظاهرة السائدة، والابتعاد عن الاستقامة مما تَعِجُّ به أكثرُ المجتمعات الحديثة، فتجعل الإنسان في حيرة من نفسه، غير راضٍ عما هو عليه حتى لو توفرت له جميعُ احتياجات الحياة وملذاتها، فهو بدون عقيدة الإيمان الصحيحة في قلق دائم.

قال - تعالى -: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى}[طه:124-127].

فسوء الخُلق دليل على ضعف الإيمان؛ ولذلك فقد ربط الإسلام بين الإيمان والسلوك ربطًا قويًّا، ونلاحظ ذلك في نصوص كثيرة مثبتة في الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَن كان يُؤمِنُ بالله واليوم الآخر فليُكرِمْ ضيفه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُلْ خيرًا أو ليصمت]؛ رواه البخاري، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: [أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنُهم أخلاقًا]؛ رواه الترمذي وأبو داود.

 وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا متفحِّشًا، وكان يقول: [إن من خياركم أحسنَكم أخلاقًا]؛ رواه البخاري.



فالإيمان مرتبط بالسلوك والاخلاق، إلا أن كثيرًا من المسلمين يهملون هذا الجانب في أيامنا هذه مع الأسف الشديد، فبينما كان المسلمون الأوائل إذا سمعوا آية فيها تكليف سارعوا إلى تطبيقه، وإذا نزل تحريم لأمر انتهوا عند ذلك؛ من صدق الإيمان وصلابة العقيدة في أنفسهم، وإذا أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشيء نفذوه، وإذا نهاهم عن شيء انتهوا عنه، والحقيقة أن دعوى الإيمان شيء، والإيمان الحقيقي شيءٌ آخر؛ إذ إن للإيمان حقيقة، وكل حقيقة لها علامة، وعلامة الإيمان العملُ به، وإذا دخل الإيمان القلوبَ واستقر فيها، نبضت بالحيوية، ودفعت النفوس إلى العمل بموجبها.

اضافة تعليق