للحفاظ على علاقتك بالآخرين: كن وسطًا في مشاعرك.. احذر الغضب.. والتمس العذر لغيرك

السبت، 29 يونيو 2019 09:33 ص
أحسن الطلب ولا تكن متطرفا في مشاعرك


تقول الحكمة: " أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما".

هكذا تعلمنا الحكمة ويعلمنا الشرع الشريف أن نكون وسطًا في مشاعرنا وحبنا وكراهيتنا وتصرفاتنا، حتى لا تكن حكمًا علينا في وقت الغضب وفي وقت التطرف في المشاعر.

 فأصعب ما يمر به الإنسان وقت الغضب هو التطرف في المشاعر، فربما يقوم بتصرفات تحسب عليه بعد ذلك وتخصم من رصيده عند الناس.

والكثير من الناس حينما يتملكهم الغضب لا يعرفون أن يتحكموا في مشاعرهم، ويهرفون بما لا يعرفون من ألفاظ وكلمات، ربما تودي بهم إلى مشكلات عظيمة.


وليس أدعى على خطورة الغضب والكلمة التي تخرج من فم الإنسان، من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لـ "معاذ" حينما قال له: "وهل يصب الناس في قعر جهنم إلا بحصائد ألسنتهم".

 فربما تحزن وتغضب بشدة من موقف يبدو لك ظاهره أنه فيه إساءة لك، فتوغر صدرك ناحية ذلك الشخص الذي ابتدر منه هذا التصرف، لأنه قد رأيته فعل ذلك عن عمد، وربما لم يكن يقصده بالمرة، ويصل الأمر إلى حد القطيعة، وعدم التماس العذر له، والغضب في وجهه بالطريقة التي يحدث معها الخصام والخصم من رصيدك لديه، على الرغم من أن الموقف قد يحتمل شيئًا آخر، على خلاف ظنك.

وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نلتمس الأعذار للآخرين، وألا نتصيد لهم أخطاءهم وزلاتهم، فإذا كنت معصومًا، ومصونًا من الزلل والخطأ، فغيرك كذلك، أما وأنك إنسان، فلا بد أن تصيب وتخطئ، هكذا جبلت، وهكذا يجب أن تنظر إلى الناس، أن تحسن الظن بالناس وألا تسيء الظن بأحد، لئلا يمتلأ قلبك بالحقد والكراهية.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً"، فالتماس الأعذار هو دأب الصالحين، الذين كانوا يحسنون الظن ويلتمسون المعاذير".

 وكان محمد ابن سيرين رحمه الله يقول: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه".

فإياك والحكم على نوايا الناس، والتفتيش عما يختلج صدورهم، فتلك ليس مهمتك ولا وظيفتك، إذ أننا مأمورن بأن نعامل الناس وفق الظاهر لنا، ونحكم فقط على ما تراه العيون، والله وحده هو أعلم بالسرائر، "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ".

ومما يرويه أبو نعيم الأصبهاني، ذلك الموقف الجميل بين الإمام الشافعي وتلميذه الربيع بن سليمان، أن الربيع قال: مرض الشافعي فدخلت عليه. فقلت: يا أبا عبدالله! قوى الله ضعفك، فقال: يا أبا محمد لو قوَّى الله ضعفي على قوتي أهلكني!.. قلت: يا أبا عبدالله ما أردت إلا الخير.. فقال: لو دعوت الله علي لعلمت أنك لم ترد إلا الخير!.

وعن عبدالله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت ثم أعاد عليه الكلام فصمت فلما كان في الثالثة قال: "اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة".

وجاء قريبًا من معنى الحديث: "التمس لأخيك سبعين عذرًا"، وهي مقولة لجعفر بن محمد إذ قال: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلا قل: لعل له عذرًا لا أعرفه".

فقبول الأعذار، من شيم الكرام، العافين عن الناس، ذوي النفوس المتسامحة المتصالحة مع ذاتها، لا تضمر شرًا ناحية أحد، ولا تنتفض لأن أحدًا قد أساء إليها، ومن جميل خلقها، وعظيم أدبها، أنه إذا أتاها من أساء إليها بسوء ظن قبل عذرها، بلا تردد، وعفا وأصفح عنه.

فالله تعالى يقول: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، ويقول: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ".



والمؤمن ذو نفس كريمة تقبل الأعذار، وهو مما يجلب له السعادة في الدنيا والآخرة، وما أجمل قول الله: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ".

قال عبد الله بن الزبير: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. قال مجاهد: يعني خُذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل: قبول الأعذار والعفو والمساهلة، وترك الاستقصاء في البحث، والتفتيش عن حقائق بواطنهم.

لكن على الإنسان نفسه أن يبتعد عما قد يثير شبهة إساءة الظن ويحرص عليه، فلا يخوض فيه أحد باللسان، أو بمجرد التفكير، وهو من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الذي خشي أن يظن الصحابة فيه أو يستغربوا مشيه في جنح الظلام مع امرأة، حتى لا يقع الشيطان في قلوب أصحابه.

  ففي الصحيحين أن صفية (وهي إحدى زوجات النبي) أتت النبي تزوره وهو معتكف، وأن رجلين من الأنصار رأياهما فأسرعا، فقال النبي: "على رسلكما إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا"، أو قال: "شرًا".



ومن أعظم ما ورد من مواقف في سيرة النبي الكريم من ضرورة التماس الأعذار للناس على الدوام، ما رواه أسامة بن زيد، قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذًا، قال: فقال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".

وفي رواية أخرى في صحيح مسلم، أن أسامة بن زيد طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له، فقال له رسول الله: "فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال يا رسول الله استغفر لي، قال وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة، قال فجعل لا يزيده على أن يقول كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"!.



وهو نوع من التأديب والزجر من رسول الله لأسامة بن زيد، لأنه قتل شخصًا غلب على ظنه أنه ما أسلم إلا لينجو بحياته في ميدان القتال مع أنَه كما في روايات أخرى قام وقتل أحد الصحابة، وحينما رآه أسامة بن زيد لاذ والتجأ بشجرة، فأراد أن يهوي بسيفه على رأسه، فقال ذلك المشرك: لا إله إلا الله، وهو درس عظيم في ضرورة إحسان الظن بالآخرين، بل والعدو نفسه كما هو ظاهر من قول.

في الحياة عمومًا يجب أن يتعلم الإنسان حسن الفطنة، وأن يتعلم كيف يتعامل مع الناس بما لا يجرحهم ولا يؤذيهم، أو يتصيد لعيوب أحد أو أخطائه.

ومن مواقف عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لما رأى مجموعة من الناس موقدين النار من بعيد.. اقترب منهم ونادى: يا أهل الضوء ولم يقل يا أهل النار خشية أن تجرحهم الكلمة.



وهذا سيدا شباب أهل الجنة، الحسن والحسين رضي الله عنهما لما رأيا رجلاً كبيرًا يتوضأ خطأ قالا له: نريدك أن تحكم بيننا من فينا الذي لا يحسن الوضوء، ولما توضئا أمامه ضحك الرجل وقال: أنا الذي لا أحسن الوضوء.

والإمام الغزالي فعندما جاءه شخص وقال: ما حكم تارك الصلاة؟، فقال له: حكمه أن نأخذه معنا إلى المسجد، ولم يرد أن يبلغه أن حكم تارك الصلاة يعني الخروج من الإسلام عند غالبية أهل العلم، إنها الرحمة بالناس، والأسلوب اللين في التعامل.

قال تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ».

وعن أبي مسعود البدري قال: «كنت أَضرِب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: «اعلم أبا مسعود»، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود» قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام»، قال: فقلت: لا أضرِب مملوكًا بعده أبدًا.


اضافة تعليق