دهاء يفوق الخيال.. أوصله إلى منصب رفيع

الجمعة، 28 يونيو 2019 02:08 م
توصل لمنصب القضاء .. حيلة تفوق الخيال


هناك أناس رزقوا بذكاء الفطرة، فاستعملوه ووصلوا به إلى أعلى المناصب، ومن هؤلاء القاضي العباسي" سعيد بن عبد الرحمن"، الذي استطاع بذكائه الفطري أن يصل إلى منصة القضاء.

وكان طريقة وصوله إلى الخليفة العباسي "المهدي" طريقة طريفة، ذلك أنه قابل الربيع – حاجب المهدي-  حين أفضت الخلافة إلى المهدي، فقال: استأذن لي على أمير المؤمنين.

 فقال له الربيع: يا هذا، وما حاجتك؟ قال: أنا رجل رأيت لأمير المؤمنين أعزه الله رؤيا صالحة، وقد أحببت أن تذكرني له، قال: له الربيع: يا هذا، إن القوم لا يصدقون ما يرونه لأنفسهم فكيف ما تراه لهم.

فقال له: إن لم تخبره بمكاني، سألت من يوصلني إليه، فأخبرته أني سألتك الإذن لي عليه فلم تفعل، فدخل الربيع على المهدي فقال له: يا أمير المؤمنين إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم، فقد احتالوا لكم بكل ضرب.

فقال له المهدي: هكذا تصنع الملوك فما ذلك؟ قال: رجل بالباب يزعم أنه رأى لأمير المؤمنين أيده الله رؤيا حسنة، وقد أحب أن يقصها عليه، فقال له المهدي: ويحك يا ربيع! إني والله أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي، فكيف إذا ادعاها لي من لعله قد افتعلها؟

قال: قد والله قلت له مثل ذلك فلم يقبل، قال: فهات الرجل، قال: فأدخل عليه سعيد بن الرحمن وكان له رواء وجمال ومروءة ظاهرة ولحية عظيمة وعارضة ولسان.

فلما دخل على"المهدي" قال له: هات بارك الله عليك، ماذا رأيت؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين آتيًا أتاني في منامي، فقال لي: إن أمير المؤمنين المهدي يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أنه يرى في ليلته هذه في منامه كأنه يقلب يواقيت ثم يعدها فيجدها ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له.

فقال له المهدي: ما أحسن ما رأيت، ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة على ما خيرتنا، فإن كان الأمر على ما ذكرت أعطيناك ما تريد، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا ربما صدقت وربما أخلفت.

قال له سعيد: يا أمير المؤمنين فماذا أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين أكرمه الله ثم رجعت صفرًا؟

قال له المهدي: فكيف نعمل؟ قال: يعجل لي أمير المؤمنين أعزه الله ما أحب وأحلف له بالطلاق أني قد صدقت، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يؤخذ منه كفيل ليحضر في غير ذلك اليوم، فقبض المال وقيل: من يكفل بك، فمد عينه إلى خادم له حسن الوجه والزي فقال: هذا يكفل بي، فقال له المهدي: أتكفل بمالا تملك، فاحمّر وخجل، وقال: نعم يا أمير المؤمنين، فكفل به وانصرف سعيد بن عبد الرحمن بعشرة آلاف درهم، فلما كان في تلك الليلة رأى المهدى ما ذكر له سعيد حرفًا حرفًا، وأصبح سعيد فوافى الباب واستأذن فأذن له.

فلما وقع تعين المهدي عليه قال: أين مصداق ما قلت لنا؟ قال له سعيد: وما رأي أمير المؤمنين شيئًا؟ فتباطأ في جوابه، فقال له سعيد: امرأتي طالق إن لم يكن رأيت شيئًا.

 قال له المهدي: ويحك، ما أجرأك على هذا الحلف بالطلاق! قال: لأني أحلف على صدق، قال له المهدي: فقد والله رأيت ذلك مبينًا.

 فقال له سعيد: الله أكبر، فأنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني، قال له: حبًا وكرامة، ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار وعشرة أصناف من الثياب، وثلاث مراكب من أنفس دوابه محلاة، فأخذ ذلك وانصرف، فلحق به الخادم الذي كفل به، وقال له: سألتك بالله هل كان لهذه الرؤيا التي ذكرتها من أصل؟

قال له سعيد: لا والله، قال الخادم: كيف وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته له؟ قال هذه من المخاريق الكبار التي لا يأبه لها أمثالكم، وذلك أني لما ألقيت إليه هذا الكلام، خطر بباله وحدث نفسه وأسر به قلبه وشغل به فكره، فساعة نام خيل له ما حل في قلبه وما كان شغل به فكره في المنام، فقال له الخادم: قد حلفت بالطلاق، قال: طلقت واحدة وبقيت معي على ثنتين، فأزيد في مهرها عشرة دراهم وأتخلص وأحصل على عشرة آلاف درهم وثلاثة آلاف دينار وعشرة تخوت من أصناف الثياب وثلاث مراكب فارهة.


فبهت الخادم في وجهه وتعجب من ذلك، فقال له سعيد: قد صدقتك وجعلت صدقي لك مكافأتك على كفالتك بي فاستر علي، ففعل ثم طلبه المهدي لمنادمته، وحظي عنده وقلده القضاء على عسكر المهدي فلم يزل على ذلك إلى أن مات.

اضافة تعليق