د. عمرو خالد يكتب: لماذا يأمرنا الله بالاستغفار أولاً؟

الثلاثاء، 25 يونيو 2019 02:53 م
اسليدر-د-عمرو


الوصول إلى الله يتطلب جهادًا من نوع خاص، هو "مجاهدة النفس"، من خلال معرفة عيوبها والعمل على إصلاحها، بالمسارعة إلى طريق الخير، والابتعاد عن طريق الشر، وكل ما من شأنه أن يغضب الخالق سبحانه، وذلك حين تلجم نفسك عن المعاصي والشهوات، وتبادر إلى الطاعات، وتقوم إلى الصلاة في وقتها، وتكف الأذى عن غيرك.

عندما تسير إلى الله، لن تجد في طريقك ما يحول دون أن تتوجه إليه، لا يريدك في حالة طهر ملائكية، توجه إليه بأثقال أوزارك، وقتها سيقبلك على حالك وبكل ما فيك، وهو وحده الكفيل بإصلاحها، لأنه مالكها، وربها، الذي منحها الحياة، وهو أدرى بما تحمله كل نفس من صاحبها، سبحانه هو الصانع، وهو أدرى بصنعته، فلا تبطئ الخطى، واسلك الطريق إليه مسرعًا، واترك نفسك لخالقها، وهو من سيتولى إصلاحها.

ذكر الله هو أسهل عبادة يمارسها الإنسان، ومع ذلك فإنها أقوى عبادة، لأنها تحرك الروحانيات في قلبك، عبادة تمارسها على أي حال كنت، بوضوء أو بدون وضوء، جالسًا أو ماشيًا، ليلاً أو نهارًا، تمارسها المرأة في كل وقت بلا حرج في أوقات الحيض أو غيرها، تمارسها في أي مكان.. بيتك.. وأنت سائق.. بين الطبيعة.. وسط الناس، ليس هناك شرط لممارستها، فقط أهم شيء أن يكون لسانك ذاكرًا، فكرك يتحرك في معنى ما تقوله من أذكار، وقلبك يستشعر به.

ماذا يفعل بك الذكر؟

كلما ذكرت الله بعمق فتح لك أسرار وأنوار وأبواب وقنوات إلى عالم الروح.. أنوار وأفراح وطمأنينة ورضا وسعادة.. يقذف في قلبك قبسًا من نوره ليضيء لك الطريق إليه، يدفعك دفعًا إليه.. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي (هو عند ظنك حين تذكره.. فما ظنك به؟.. سيرزقني ويكرمني.. هو عند ظنك إذا ذكرته)، وأنا معه إذا ذكرني (أنا معه.. يعني معية الله)، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه".

تخيل نفسك وأنت تذكر الله أنه سبحانه في السماء يباهي بك الملائكة، إنها قناة مفتوحة بينك وبين الله.. بينك وبين السماء.. تذكر الله فيذكرك الله فورًا.. فتتحرك نحوك الرحمات والأنوار والإشراقات.. اصمت لحظة الآن وردد بصوت خفيض.. وقل: لا إله إلا الله.. الآن يذكرك الله.. أي معنى روحاني في الوجود أكبر من هذا المعنى؟


من أعظم الذكر الاستغفار، فهو عملية إسكان: أين الخلل.. ومراجعة مستمرة لأخطائك في الحياة.. فما من أحد إلا وله أخطاء، "كل ابن آدم خطاء"، لكن ما يميز المؤمن عن غيره أنه حين يرتكب الذنب يسارع بالعودة إلى الله مستغفرًا تائبًا "وخير الخطائين التوابون".. يقول اللسان: استغفر الله.. والعقل يتذكر التقصير في حق الله.. والقلب يقول له: سامحني يا الله.. هذا هو جوهر الاستغفار والمعنى المقصود منه.

حين تستغفر الله تعالى يمسح لك ذنبًا.. يزيل لك معصية.. هكذا يفعل الاستغفار بصاحبه.. تخيل نفسك أنك عندما تستغفر ربك يوميًا ستصبح صحيفتك بيضاء خالية من السيئات.. يقول الله تعالى: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا " لاحظ تركيبة الآية.. استغفر الله أولاً لأنه هو الغفار.. اعبده لأنه يستحق العبادة ثم بعدها.

استغفر من كل قلبك بصدق.. لأنه أحيانًا: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.. استغفر الله على التقصير في حق الله.. يقول النبي: إنه ليغان على قلبي (أي اشعر بالهم في قلبي خوفًا من التقصير في حق الله)، فأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة".

أستغفر الله ليس فقط من الذنوب والمعاصي، ولكن أستغفر الله عن كل ما شغلني عن معرفة الله ومعيته وهو الخالق العظيم، أستغفر الله لنعم أنعم بها علي، ونسيت أن أشكره عليها، وربما شكرت غيره وهو القائل: "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ"، أستغفر الله لأنه سبحانه أحق بالاستغفار. 

من عجائب الاستغفار والتوبة إنها تغير الماضي... في حياة الناس حتى تغير ماضيك، فذلك عملية شبه مستحيلة.. لأنك تحتاج جهدًا وزمنًا ومالاً.. لكن مع الله.. التوبة تمحي كل الماضي وما تبت منه في لحظة توبتك.. ابدأ دعاءك باستغفار تفتح لك أبواب الإجابة.. ابدأ يومك باستغفار تفتح لك أبواب العطاء.. اختم أعملك باستغفار تفتح لك أبواب القبول.

يقول النبي: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، رزقه من حيث لا يحتسب"، لكن الأهم أن تستغفر ليغفر لك الله قبل أي شيء آخر.. الاستغفار باب التوبة.. حين تستغفر الله تذكر أنك تتوب من ذنب واحد.. يوم توبتك يفرح بك الله "إن الله يحب التوابين،"  إن "الله يفرح بتوبة عبده".

الآن استغفر وتب إلى الله.. استغفر الله قلبًا ولسانًا.. قولاً وفعلاً.. صدقًاً ويقينًا.. استغفر الله من الذنوب والمعاصي دقها وجلها.. كبيرها وصغيرها.. عظيمها وحقيرها.. أولها وأخرها.. علانيتها وسرها.. ما علمنا منها وما لم نعلم.

اضافة تعليق