الحمد في العقيدة والمعاملات

​م . وليد متولي السبت، 22 يونيو 2019 06:15 م
وليد متولي


هل الحمد ضرورة لازمة في حياتنا على مستوى العقيدة والمعاملات؟
قد يبدو هذا التساؤل لأول وهلة أنه أمر قد لا يحتاج إلى دراسة أو بحث لأنه امر مرتبط بالأخلاق وهو أمر مُسلم به مُتعارف عليه، ولكن مع قليل من التأمل واستحضار لبعض الآيات والأقوال في أسماعنا يجعلنا نُدرك مغزى هذا التساؤل. فقد قال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). (188/ آل عمران).
تقول معاجم العرب: إن الحمد هو الثناء الجميل باللسان وحده لتعظيم المنعم، أي المحمود على نعمه وأفعاله الدالة على حكمته وكمال صفاته, فالمحمود يكون مُختارا في كل ما يفعل.
وبذلك يكون حمدنا لله تعالى هو إقرارنا له بأنه سبحانه هو المنعم علينا بنعمه, والتي تكون حسب مشيئته وحكمته، حتى إن منع بعض الأشياء عنا كابتلاءلنا فهذا الفعل- وهو المنع- قد يسُد به عنا من الشر ما لا نطيق, أو يكون هذا المنع سببا في حصول نعم أكبر وأبقى, وهذا ما يخبرنا به قوله تعالى:(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (216/ البقرة).
 ومع تأمل بعض الآيات الوارد فيها لفظ "الحمد" نجدها تكشف لنا شيئا آخر في معنى الحمد بجانب ما أخبرتنا به معاجم اللغة, فهيا بنا لنتعرف عليه. يقول تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)(1/ الأنعام). فإنه يتضح لنا من الآية أنه ليس لنا تدخل في خلق هذه السموات العظيمة والأرض واستمرارهما. وكذلك في عدم اتخاذ الله تعالى ولدا أو شريكا في ملكه كما في قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْوَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) (111: الإسراء).
وكذلك حمد الله جل في علاه نفسه في أول قرآنه بعد التسمية:(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (2: الفاتحة).  "قيل لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حَمِدَ نفسه بنفسه لنفسه في الأزل؛ فاستفراغ طوْق عباده هو محل العجز عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: (لا أحصي ثناء عليك).. وقيل حمد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب حمده فحَمِدَ نفسه عنهم؛ لتكون النعمة أهنأ لديهم, حيث أسقط عنهم به ثقل المنَّة" تفسير القرطبي في الفاتحة.  وذلك من كثرة فيوض هذه النعم, وعدم تسبب العباد في حدوثها.
وكذلك في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..)(1/سبأ). أي له هو؛ فليس هناك شريك له في ذلك, وكل هذا لا تدخل منا في حدوثه, وإنما هو إنعام من مولانا جل في علاه وتلطف بنا في تهيئة أسباب الحياة الكريمة المثمرة.
وهكذا يتضح لنا مما سبق ومن سائر آيات الحمد هذه الإضافة لمعنى الحمد, فبذلك يكون معنى الحمد هو: الثناء الجميل باللسان وحده بقصد التعظيم والتبجيل للمُنعم والإقرار بأن تلك النعم هبة منه بلا سبب أو تدخل أو معالجة من المُنْعَم عليه.
وهذا المعنى للحمد هو ما يجعلنا نفهم ذكر "الحمد" في الآخرة وليس "الشكر" في قوله تعالى: (وهو اللهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَلَهُ الحمدُ فِي الأُولى والآخِرة وَلَهُ الحُكْمُ وإليه تُرجعُون)(70/القصص).أي له الحمد في الحياة الدنيا كما علمنا, وله الحمد في الاخرة؛ لأنه ليس هناك تدخل منا أو سبب فيما يحدث في الآخرة, فليس هناك عمل وإنما هي دار جزاء يُعذب فيها الكافر والعاصي, ويُكرَّم فيها المؤمن الطائع.
وذلك أيضا ما جعل لفظ الحمد هو الذي على ألسنة المُتنعمين في الجنة وليس لفظ الشكر في قوله تعالى: (وقالوا الحمدُ للهِ الذي صدقنا وَعْدَهُ..)(74 / الزمر)، أي بالعث والنشور  وهو أمر لا دخل للعباد فيه ولا سبب؛ فدخول الجنة لا يكون بالعمل وإنما برحمة الله وفضله كما أخبر المعصوم r, فعن أبي هريرة: أن النبي r قال: "ما من أحد يُدخله عمله الجنّة, فقيل ولا انت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني  ربي برحمته" رواه مسلم. أما المنازل والدرجات في الجنة فتكون بالعمل الصالح وقَدْره, ولعظم هذا المعنى للحمد وإقرارنا لله بنعمه, بشرنا r بجزاء ذلك في قوله:" إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم.
ويزيد قيمة هذا المعنى عمقا ما رواه رفاعة بن رافع t قال: "كنا يوما نصلى وراء النبي rفلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حَمِده, قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا طيبًا مباركًا فيه, فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا, قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها, أيهم يكتبها أول" رواه البخاري.
وإجمالا لما قيل, نجد أن الخلق لا محالة مفتقرون إلى خالقهم ومعتمدون عليه, فحال المخلوق لا يخرج عن ثلاث:
أولها : أنه مخلوق للخالق عز وجل, فهو الذي أوجده من العدم, وهو الذي وهبه الحياة وهو الذي أعطى كل شيء خلقه.
ثانيهما: احتياجه للحيز الذي يوجد فيه والأسباب والمعطيات التي تُعينه على استمرار الحياة وسلامتها بكل المقومات المادية والمعنوية متمثلة في السماوات وما فيها والأرض وما فيها والأجواء المناسبة, والتشريع الذي يحميه من الجهل والظلم.
ثالثها: المكافأة والجزاء وتكريم المُحسن وعقاب المُسيء؛ حتى يستقيم معنى الوجود والحياة في الدنيا والآخرة.
وهذه الأمور الثلاث كانت إنعامًا من الله سبحانه الغني عن الخلق، وهذه الأمور تُوجب على المُنتفع بها الحمد, وهذا ما يتضح لنا في سورة الفاتحة.
فالحمد إذن مفتاح لكل فضل, وامتدا له في الدنيا والآخرة.   


اضافة تعليق