لهذا كانت ردود الملوك على رسائل النبي مفعمة بالرقة

الأربعاء، 19 يونيو 2019 03:07 م
لماذا كانت ردود الملوك على الرسول مفعمة بالرقة


بعدما عقد الرسول صلى الله عليه وسلم صلحًا مع قريش، قام بمراسلة الرؤساء والملوك، يدعوهم فيه إلى الإسلام، وإلى الإيمان بالله وحده.

ويستوقف القارئ ما في إجابات أكثر هؤلاء الملوك والأمراء من رفق ومن حسن رأي، وأنه لم يقتل أحد من رسل محمد ولم يسجن، بل عادوا إليه كلّهم بما حملوا من رسالات في أكثرها رقة وعطف، وفي بعضها غلظة وشدّة.

فكيف تلقى أولئك الملوك،ـ رسالة الدين الجديد من غير أن يتألبوا على صاحب الدعوة، ومن غير أن يتضافروا على سحقه؟
يقول محمد حسين هيكا، صاحب كتاب "حياة محمد": ربما كان ذلك أن عالمًا يومئذ كان كعالمنا الحاضر، قد طغت فيه المادّة على الروح، وأصبح فيه التّرف غاية الحياة، وأصبحت الأمم تقتل حبّا في الظفر، وإرضاء لمطامع ملوكها وسادتها، وشفاء لغرور أنفسهم، أو طمعًا في مزيد من الترف تبلغه وتستمتع به.

 وأضاف أن مثل هذا العالم تهوى فيه العقيدة إلى شعائر تقام في العلن ولا تؤمن النفوس التي تؤديها بشيء مما وراءها، ولا تعنى إلا بأن تكون في حكم صاحب السلطان الذي يطعمها ويكسوها ويكفل لها رخاء العيش وعرض الجاه وكثرة المال.

 كما أنها لا تستمسك بهذه الشعائر إلا بمقدار ما تدرّ عليها من خير مادي. فإذا فاتها هذا الخير، خارت عزيمتها، وتضعضعت همّتها، ووهنت فيها قوّة المقاومة.

 ولذلك لم يلبث الناس حين سمعوا دعوة جديدة للإيمان فيها بساطة وفيها قوّة، وفيها مساواة أمام ربّ واحد، إيّاه نعبد وإياه نستعين، هو وحده الذي يملك ضرّ النفوس ونفعها، شعاع من رضاه يبدّد غضب ملوك الأرض جميعا، ومخافة غضبه تزعزع النفس وإن أغرقها الملوك كلهم في النعمة والرضا، والرجاء في مغفرته متّصل لمن تاب وآمن وعمل صالحا- لم يلبث الناس حين سمعوا هذه الدعوة، ورأوا صاحبها يقوى بها على الاضطهاد، وعلى الظلم، وعلى التعذيب، وعلى كل ما في الحياة الماديّة من قوى، ويمتدّ بها سلطانه، وهو اليتيم الفقير المحروم، إلى ما لم يحلم به أحد من قبله في بلده ولا بلاد العرب كلها، حتى اشرأبت الأعناق، وأرهفت الآذان، وشعرت النفوس بظمئها، وتطلّعت الأرواح لمورد ريّها، لولا بقية من الخوف والشك تقوم بينها وبين الحقيقة، حجابًا.

 لذلك رد من الملوك في رفق ورقة، وبذلك ازداد المسلمون إيمانًا على إيمانهم وقوّة في يقينهم.

وكان من الردود العجيبة رد صاحب أكبر قوة عظمى في ذلك الوقت" ملك الروم".

فقد بعث الحارث الغسّاني إلى هرقل يخبره أن رسولاً جاءه من محمد النبي بكتاب، والذي يشبه بالكتاب الذي أرسل إليه يدعوه فيه إلى الإسلام أيضًا.

وكان الحارث يستأذن في أن يقوم على رأس جيش لمعاقبة النبي، لكن هرقل رأى الخير في أن يكون الحارث ببيت المقدس حين زيارته إيّاه ليزيد في جلال الحفلات بردّ الصليب إليه، ولم يعبأ بهذا الداعي إلى دين جديد، ولم يدر بخلده أنه لن تمضي سنوات قليلة حتى يكون بيت المقدس وتكون الشام في ظل الراية الإسلامية، وأن العاصمة الإسلامية ستنتقل إلى دمشق، وأن النضال بين دول الإسلام والإمبراطورية الرومية لن تهدأ ثائرته حتى يستولي الأتراك على القسطنطينية في سنة 1453، وحتى يحيلوا كنيستها الكبرى مسجدًا يكتب فيه اسم هذا النبيّ الذي حاول هرقل أن يظهره مظهر من لا يحفل به أو يعني بأمره، وأن تظل هذه الكنيسة مسجدا عدّة قرون حتى يحيلها المسلمون الأتراك متحفا للفن البيزنطي.

كما كان ردّ المقوقس عظيم القبط في مصر من أجمل الردود، حيث بعث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يخبره أنه يعتقد أن نبيًّا سيظهر، ولكنه سيظهر في الشام، وأنه استقبل رسوله بما يجب له من إكرام، وأنه بعث معه بهديّة، جاريتين وبغلة بيضاء وحمار ومقدارًا من المال وبعض خيرات مصر.

 أمّا الجاريتان، فمارية التي اصطفاها النبي لنفسه والتي ولدت له إبراهيم من بعد، وسيرين التي أهديت إلى حسّان بن ثابت.

أمّا البغلة فأسماها النبيّ دلدل، وكانت فريدة ببياضها بين البغال التي رأتها بلاد العرب. وأمّا الحمار فأسمى عفيرًا أو يعفورًا.

وقبل الرسول هذه الهدية، وذكر أن المقوقس لم يسلم خشية أن يسلبه الروم ملك مصر، وأنه لولا ذلك لآمن ولكان حظّه الهدى.

اضافة تعليق