د. عمرو خالد يكتب: هذا ما يفعله ذكر الله بالإنسان

الثلاثاء، 18 يونيو 2019 03:19 م
اسليدر-د-عمرو


يظن البعض أن ذكر الله تعالى مرتبط بتلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام الخالق في الصلاة خمس مرات في اليوم، أو عند قراءة القرآن، لكن الذكر حالة إيمانية مرتبطة بالإنسان يعيشها طول الوقت، وليس في وقت أو زمن محدد، فالإنسان في كل أحواله وأوقاته عندما يتعلق قلبه بربه، ولا ينشغل عنه بأي شيء آخر فهو يعيش حالة دائمة من الذكر.

ومما يشرف به المؤمن عند ذكره لربه، أنه متى ظل في حالة ذكر، فإنه الله يذكره، وهل هناك شرف يضاهي ذلك، ومنزلة تعدل تلك المكانة، أن تذكر الله فيذكرك؟، فاجعل لسانك دائمَا رطبًا بذكر الله، واستحضر عظمة الله وأنت تذكره، وتذكر أنه في تلك اللحظة يذكرك، وأنه يباهي بك الملائكة.

عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إن هو ذكرني وتحركت بي شفتاه".

وعن ثابت البناني قال: إني أعلم متى يذكرني ربي، ففزعوا منه، فقالوا: متى تعلم ذلك؟ قال: إذا ذكرته ذكرني، وقال: "اذكروا الله ذكرًا كثيرًا".. وقال: "الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا".

العقل البشري أثناء التركيز في الذكر له لا يشعر بنفسه وهو يخرج من الزمان والمكان والناس والأحوال.. وفي ذلك الوقت تختفي الرغبات والأهواء ولا يشعر إلا بوجود الله.. يشعر أن الزمن قصير وسينتهي مهما طال.. عندما تبدأ في الذكر يحتويك الذكر.. ذكر يزيد تركيزك.. فيزيد الذكر.. وهكذا هي دائرة تغذي بعضها البعض.


يقول البروفيسور جون رينارد، أستاذ مقارنة الأديان بجامعة سانت لويس: "أنا مندهش من عملية الذكر عند المسلمين، هو يولد حالة يقظة روحيه عالية وتركيزًا ذهنيًا عاليًا، تمدهم بقوة دافعه معنوية هائلة عند ذكر الخالق، تحقق لهم مرونة وقدرة على الصبر، وتحمل الصعاب مع مستوى الرضا عن النفس والحياة والخالق، لايملك غيرهم تحقيقه.

ومما يفعله الذكر بالإنسان أنه يجعله يعيش في حالة تتوحد فيها النفس، فيجتمع شمل النفس.. بدلاً من أن تشتت بين عشرات الأسباب.. إذ أن الأسباب مثلك مخلوقة، فتحدث الراحة والطمأنينة ويدخل النور.. من الظلمات إلى النور.. أي من تشتت الظلمات إلى نور لم شمل النفس.

عن عطاء بن أبي مروان حدثني أبي بن كعب قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أقريب أنت فأناجيك، أو بعيد فأناديك، فقال له: يا موسى؟ أنا جليس من ذكرني.

وسئل رسول الله: أي العمل أفضل؟، فقال: "أن تموت ولسانك رطبًاً بذكر الله".

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه، فقال: "ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن علينا بك، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك ؟ قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة"، رواه مسلم.

وفيما أخرجه مسلم في الصحيح، من حديث شعبة، قال: أشهد على أبي هريرة، وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".

لابد أن ترى الله في كل شيء.. قبل كل شيء، وبعد كل شيء، ومع كل شيء، وفي كل شيء، حتى ترى الموجود كله من تجليات الله فيه، وتدرك حقيقة أن كل النعم في حياتك منه وحده، كل شيء بلا استثناء منه، علم وخبرة وذكاء وحكمة ومال ونجاح.. منه إليك، كل تدبير حدث لك في حياتك.. كل جمال في الكون منه وحده: "قل اللهم مالك الملك".. كله منه وإليه.

وكم من أوقات مرت على الإنسان فيها لحظات ضيق، إذا ضاقت عليك الدنيا وأغلقت الناس في وجهك الأبواب.. فانس الناس، وقل: المنع من الله لذنب أتوب منه أو لخير أفضل أسعى إليه، تذكر ذلك دائمًا، ولا تغفل عن تلك الحقيقة الإيمانية، فإنه متى أغلق الله أمامك بابًا فتح لك أبواب غيرها.

قمة الإيمان وقمة الأدب مع الله.. ألا تنسب أعمال الخير التي تعملها لنفسك بل تنسبها لفضل الله عليك.. فإذا تبت إلى الله من ذنب.. فهو الذي أعانك وهداك ووفقك للتوبة.. " ثم تاب الله عليهم ليتوبوا "، فالتوبة منه إليك.. وإذا صدقت مع الناس.. فلا تر الصدق منك بل من الله إليك.. وإذا شكرت الله على النعمة فهو الذي وفقك للشكر.

والله تعالى يحب الشاكرين، وقد أوحى عز وجل إلى موسى عليه السلام: يا موسى! اشكرني حق شكري، فقال: يا رب! فكيف أشكرك حق شكرك، وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به عليّ؟ قال: يا موسى! الآن شكرتني حين علمت أنّ ذلك مني؟

وعين العبادة أن تعلم أن كل عمل خير تعمله هو منه.. من الله عليك، ومن كرمه العظيم أن ينسب الأعمال إلينا، لكن الحقيقة إنها منه وإلينا، وهذه هو الأدب مع الله.. شكرك عليها أعطى لك الثواب.. هو بكرمه ينسب الخير لك.. وأنت بأدبك تنسب كل عملك له.. دخولك الجنة هو محض فضل الله ليس لعملك، فكل أعمالك الصالحة لا تساوي نعم الله عليك، فالجنة برحمته لا بعملك.


وهكذا, لابد أن ترى الله في كل شيء .. قبل كل شيء وبعد كل شيء ومع كل شيء وفي كل شيء.. هو الأول والآخر والظاهر والباطن.. لابد أن ترى الوجود كله.. الكون كله.. تجليات الله فيه "الله نور السموات والأرض"، "ولله المشرق والمغرب" "فأينما تولوا فثم وجه الله".

كل ذرة في الكون هي من تجليات أسماء الله الحسنى.. إذا قلت: لا إله إلا الله موقنًا بها، تغير سلوكك وأخلاقك وارتقيت مباشرة لمنزلة الإحسان: كأنك تراه.. لماذا؟ لأن معناها الحقيقي أن لا قوي ولا فاعل ولا نافع ولا ضار ومحيي ولا مميت ولا مانع ولا معطي إلا الله، فتتحرر من كل ما يحول بينك وبينه.. من الخوف والتشتت.. الأعمار بيد الله.. الرزق بيد الله.. هو وحده.. لا إله إلا الله.

اضافة تعليق