الأنس بالله شعور إيماني رائع يمنحك الرضا والاستغناء عن الخلق

السبت، 15 يونيو 2019 09:57 م
بعد الصلاة

الأنس بالله شعور جميل يملأ قلب المؤمن بالطمأنينة والسكينة، فيسعد بمعية الله عز وجل له، وتصبح خلوات الصلاة والذكر والدعاء هي أجمل وأحلى الأوقات في حياته، ومع الوصول لهذا الشعور الإيماني الرائع يتساوى كل شيء في قلب المؤمن ، يتساوى ضيق العيش وسعته، ويتساوى الرغد مع الكفاف، وتتساوى الصحة والمرض، يتساوى وجود كل الأشياء مع فقدانها ، فهو قد استغنى بالله عن كل شيء وأصبح شغله الشاغل رضاء الله والأنس بذكره.

يقول الإمام ابن القيم: ‘إذ استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرح الناس بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنس الناس بأحبائهم فأنس أنت بالله، وإذا ذهب الناس إلى ملوكهم وكبرائهم يسألونهم الرزق ويتوددون إليهم فتودد أنت إلى الله.

والأنس ضد الوحشة أي الألفة بالشيء وهو روح القرب من الله ، قال تعالى: ( َإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة 186.
فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف : يوجب قربه من الله سبحانه وتعالى، وقربه منه يوجب له الأنس، و الأنس ثمرة الطاعة والمحبة؛ فكل مطيع مستأنس وكل عاص مستوحش كما قيل :
فإن كنت قد أوحشتك الذنوب * فدعها إذا شئت واستأنس      

إن كثيرا منا علاقته بالله روتينية فهو يتعبد لله وفقط لأنه اعتاد ذلك من الصغر إننا نريد أن تكون العلاقة بيننا وبين الله علاقة حب
قال تعالى (يحبهم ويحبونه )ولاحظ أن الله ابتدأ بقوله (يحبهم )فالعلاقة بينك وبين الله علاقة حب وأساسها الحب (فليس العجب من عبد يتودد إلى سيده لكن العجب كل العجب من ملك يتودد إلى عبيده )ويقول بعض السلف(أعظم نعمة علي أن الله هو الله ).

من يكن قلبه مشغولاً بحب الله . . عامراً بالإيمان به سبحانه . . يجد في نفسه الأمان والسلام والاطمئنان . . . ويشعر بالأنس بالله في كل لحظة في حياته . . مستأنساً بذكره له سبحانه وتعالى ، بعبادته له بتلاوته للقرآن الكريم.

والأنس بالله شعور يمتزج بالهيبة والخشوع، يغمر كيان الإنسان كله مما يجعله يجد سعادته في خلوته، وهناءه في وحدته، يناجي ربه . . يشكو همه إليه . . يشكره على نعمته . . يتغنى بالدعاء له والثناء عليه والتسبيح والتقديس له عز وجل، ويشعر بأن كل ما في الكون من مخلوقات نغمات مميزة تشترك معه في التسبيح لله عز وجل فيحس بأن هناك ألفة ومودة بينه وبين الطبيعة وجميع المخلوقات الأخرى . . هناك صداقة بينه وبين الكون . . إنه يفهم لغة الكون . . والكون يفهم لغته، وهذه اللغة المشتركة بينهما هي التسبيح والشكر لله والإحساس بآثار حب الله في الوجود كله.

وهو حال يصل إليه السالك معتمداً على الله، ساكناً إليه ، مستعيناً به، وفى الأنس تبقى الهيبة مع الله ، وبذلك يكون الأنس طمأنينة ورضا بالله، ولا يشعر الإنسان المؤمن المحب لله بالأنس في أوقات العبادة فقط.. فإن فضل الله عليه عظيم حيث يفيض الله عليه بالأنس في أوقات الانشغال والاهتمام بأمور الحياة اليومية لأن الله يغمره ويملأ قلبه وكيانه كله، فأصبح الأنس بالله يحيط به سواء في وقت الانشغال أو في وقت العبادة.
من كان في سخطه محسنا ** فكيف يكون إذا ما رضي
بعض الناس يعتقدون أن الوحدة تعنـي أن يعيش الإنسان وحيداً أي وحدة الوجود الإنساني، في حين أن الإنسان المستأنس بالله في كل لحظة أيقن وعرف أن هذا ليس هو مفهوم الوحدة أو الغربة ، فإن الشعور بالوحدة هو فراغ القلب من حب الله . . . . . والشعور بالغربة هو فراغ القلب من الأنس بالله، فإذا كان نعيم الجنة كله لا يساوي شيئا بالنسبة إلى لذة النظر إلى وجه الله الكريم فكذلك نعيم الدنيا لا يساوي شيئا مقارنة بنعيم الأنس بالله
يقول بعض السلف: (مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها …حلاوة الأنس بالله ).

فإن الأنس الحقيقي هو أنس الله وليس أنس الإنسان، وأن الفراغ الحقيقي هو فراغ القلب من حب الله وليس فراغ الوجود الإنساني. ,وإذا كان البعض يؤدب بالحبس الانفرادي فإن المسلم في خلوته يستشعر حلاوة الأنس بالله، فمن الممكن أن يكون الإنسان حوله حشد من الناس ومع ذلك يشعر بالوحدة والفراغ القلبـي، ومن الممكن أن يعيش وحيداً ولكنه يحس بالأنس وكأن المخلوقات والكائنات جميعها اجتمعت وحضرت لتؤنس وحدته مع أنه في الحقيقة يعيش وحيداً بمفرده.

اضافة تعليق