"العفو عند المقدرة".. النفوس الكبيرة تعفو وتصفح ولا تشتهي الانتقام

السبت، 15 يونيو 2019 10:16 ص
العفو-عند-المقدرة


قد نتعرض للإساءة من الآخرين، والإيذاء المتعمد بمختلف الوسائل والطرق الظاهرة والخفية، حينها يعيش المرء صراعًا داخليًا، خاصة إذا كان له قرين يهمس في أذنه باستمرار: "يجب أن ترد الصاع صاعين"، الأمر الذي يؤدي للتشاحن والتقاتل، وربما تتطور الأمور من مشكلة بسيطة إلى جناية يدفع ثمنها الجميع.

ربما تجد من يدخل السجن، أو يدفع ثمن شجارهم مع الغير من دمائهم، لمجرد الخلاف على شيء صغير، كأن يكون السبب شجار أطفال مع بعضهم البعض، فتحدث المعركة التي ربما تتطور للقتل، الأمر الذي يقضي على مستقبل أسر بأكملها نتيجة ذلك.

وخلق العفو خو خلق إسلامي بامتياز، خاصة إذا ما اقترن بالعفو مع المقدرة على الانتقام، هذا لا شك صفة عظيمة.. يقول الله تعالى: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" سورة الشورى الآية : 40.
كما أن العفو عند المقدرة صفة جليلة وكريمة، تدل على نقاء القلب وصفاء النفس وكرم الطباع ولا يزيد بها صاحبها إلا عزة ومكانة في الدنيا والاخرة.



 وخير ما نذكر في هذا الباب قصة من بني إسرائيل، وما وقع لسيدنا يوسف عليه السلام.

لقد قص القرآن الكريم ما وقع لسيدنا يوسف عليه السلام، بعد أن حسده إخوته لكثرة محبة أبيهم له وإفراده بمكانة خاصة دون غيره، فدبروا وخططوا للتخلص منه فألقوا به في البئر.

لكن الإرادة الربانية كانت فوق خبثهم وغدرهم فرزقه الله حياة جديدة ومكانة فريدة وحكمًا وملكًا وقوة وسلطانًا.

وتمر الأيام ويأتي إخوته إليه طالبين يد المساعدة وقوتًا بعد أن جفت الأرض واشتد عليهم الأمر.

م يعرفوه في البداية ولكن يوسف عليه السلام عرفهم، ولم يكشف لهم على الرغم ما دبروا ضده وحاولوا قتله والتخلص منه.

ويأتي اليوم الذي يعرفهم فيه بنفسه وأنه أخوهم الذي حماه الله ورزقه حياة جديدة، وجعله سببًا للخير لكثير من خلقه، فخافوا أن يبطش بهم وينتقم منهم خاصة وأن له مكانة وسلطانًا وقوة ليست لدى غيره.

وعلى الرغم مما صنعوا به وهو صغير إلا أنه قابلهم بالعفو الحسن والصفح الجميل، قال تعالى : " قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " سورة يوسف الآية : 92.

العفو في القرآن

وجاءت آيات لا حصر لها تدعو للعفو في القرآن الكريم، ومنها قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: " وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

وقال تعالى في سورة "النور": "وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ".

 وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:133-134].

وقال أيضًا: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التغابن من الآية:14].

 العفو عند الرسول

كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً يحتذى به في العفو، وكان أجمل الناس صفحًا، يتلقى من قومه الأذى المؤلم فيعرض عن تلويمهم، أو تعنيفهم، أو مقابلتهم بمثل عملهم، ثم يعود إلى دعوتهم ونصحهم كأنما لم يلقَ منهم شيئًا.

 وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله عزَّ وجلَّ))  .




 وعن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- ((أنَّه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، وعلَّق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي.فقال: إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا ، فقال: من يمنعك مني؟. فقلت: الله. ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس)) .

اضافة تعليق