لماذا جعل الله رعايتهما تسبق الجهاد؟.. لأشياء يجب أن تراعيها مع والديك عند الكبر

الإثنين، 10 يونيو 2019 11:35 ص
لماذا جعل الله رعايتهما يسبق الجهاد

 

"وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)".

حِكمة الله - سبحانه - أن خلَق الإنسان فسوَّاه، وجعَله يمرُّ بمراحل تتفاوت فيها قُدراته وإمكاناته، ولكلِّ مرحلة من عُمره خصائصها وميزاتها التي تُميزها عن غيرها من المراحل.

يقول - سبحانه - مذكِّراً بهذه المراحل: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [غافر: 67].

يحتاج الإنسان في كل مرحلة من حياته إلى العوامل التي تمكنه من الاستمرار في الحياة، وخاصة في مرحلتين هما الصغر خلال مرحلة الرضاعة، ومرحلة الكبر خلال العجز.

ويسخر الله له مَن يَكلؤه ويَعتني به، بدافع الفطرة والرحمة صغيرًا، وبدافع المودة والاحتساب كبيرًا، فمنذ وضَعته أمُّه وهي تَحوطه برعايتها وتُغدق عليه من حنانها، إلى أن شبَّ وليدهما عن الطوق، واعتمَد على نفسه في شؤون حياته، واستغنى عن غيره، وبدَأ يشقُّ طريق عيشه، ويكوِّن له أسرة صغيرة، يحوطها ويرعاها، ويؤمِّن لها العيش الكريم.

 أمَّا الوالدان، فبعد أن أدَّيا واجبَهما نحو أبنائهما، يدبُّ الضَّعف إلى بدنيهما، ويُصبحان في حال يحتاجان فيها إلى مَن حولهما، ولا سيَّما أبناؤهما وبناتهما؛ ليردُّوا إليهما الجميل، أو بعضَ الجميل الذي بذلاه في سبيلهم.

يقول الله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف: 15].

 ويوصي النبي صلى الله عليه وسلم، بذي الشيبة خيرًا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ من إجلال الله تعالى إكرامَ ذي الشيبة المسلم)).

وفي ذلك يكشف على سبيل المثال لا الحصر الدكتور حسام موافي، أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية الطب قصر العيني، ما يحتاجه الإنسان حينما يصيبه الكبر، موضحًا أن الإنسان عندما يكبر في العمر لا يشعر بالجوع أو العطش، وهو ما يتطلب أن يكون هناك أحد يسأل عن طعامهما وشرابهما حتى لا يتعرض للموت دون أن يشعر، حيث يصبح الكهل مثل الطفل لا يعبر عن طعامه ولا شرابه، غير أن الطفل يمكنه الصراخ في حالة الجوع.

وأضاف عبر برنامج "ربي زدني علمًا" على قناة "صدى البلد"، أن الإنسان المتقدم في العمر تصبح الشعيرات الدموية ضعيفة للغاية، ولذلك توجد نقطة حمراء فيه عبارة عن نزيف تحت الجلد.

وأشار إلى أن الشخص الكبير يحتاج رعاية غير عادية لأنه لا يجوع أو يعطش ولذلك يجب أن يرعاهم الإبناء بالاهتمام كما ورد في القرآن الكريم :« إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا»، فلابد أن يعيش الأباء مع أبنائهم عند الكبر.

وقال موافي إن الشخص المسن عندما يصاب ينزف أكثر من الشخص العادي. وأضاف أن نقص فيتامين "سي" يسبب مرض "الأسقربوط" ويؤدي إلى نزيف اللثة ومن ضمن أعراض النزيف، مشيرا إلى أن مريض الالتهاب السحائي يتعرض للنزيف بشدة.

وكشف موافي، أن عدد الصفائح في الملي مكعب تتراوح ما بين ربع مليون إلى نصف مليون، وتقوم بوظيفة هامة وهي التجلط.

وأوضح أن "الهيموفيليا" من ضمن أمراض النزيف وتصيب الذكور فقط وتعتبر مرض وراثي، ولإصابة بمرض "الهيموفيليا" ناتج عن الكرموزون الذي جعل الشخص ذكرًا قبل ولادته.

وأشار إلى أن النزيف معروف باستمراريته وليست قوته، بمعني أن يستمر نزيف شخص من جرح بسيط لساعات طويلة عكس نزيف آخر قوي ويتم السيطرة عليه.

ومع خطورة هذه الأعراض التي يمر بها الوالدان عند كبرهما، جعل الله برَّ الوالدين من خير ما تقرَّب به المتقرِّبون، وهو من أجَل العبادات والقُربات؛ سُئِل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قيل: ثم أي؟ قال: "برُّ الوالدين"، قيل: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"؛ متفق عليه.

 وسبَق برُّ الوالدين الجهاد في سبيل الله على أهميَّته ومكانته في الدين، ومَن أدرَك والديه أو أحدهما، فلم يَدخل بهما الجنة، فهو ممن تشمله دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رَغِم أنفُ، ثم رَغِم أنف، ثم رَغِم أنف مَن أدرَك أبويه عند الكِبَر أحدَهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة"؛ مسلم.

ومن الأشياء التي يجب مراعتها مع كبار السن والعجائز من أبائنا وأمهاتنا ضيق صدرهم وغضبهم لأقل الأسباب نتيجة شعورهم بالوحدة، والحذر من الإلحاح على المسن ومطالبتِه بأن يَقتنع بما نُخبره به؛ حيث إنه لا يتحمَّل الإلحاح، ولكن يُمكن طرْحُ الأمر معه شيئًا فشيئًا ليُمكن إقناعه؛ حيث إن طبيعة هذه المرحلة من العُمر تَفرض بُطئًا في الاستجابة.

 أيضا قصور السمع والبصر لدى المُسن يَجعله يبتعد شيئًا فشيئًا عن أحداث الواقع، وذلك يوجب علينا التحدُّث معه ومع مَن حوله بصوت مسموع، مع محاولة جَذْب المُسن للواقع، بإخباره عما يدور حوله، وطَلبِ رأيه، ومداعبته ما أمكَن؛ ليكون قريبًا من مجتمعه، مُدركًا لِما حوله.

كما يجب أن نُدرك أن المُسن يستمتع بالحديث عن الماضي الذي عاش أحداثه، وشَهِد صَوَلاته وجَوَلاته، فعلينا ألاَّ نَحرمه من ذلك، بل نُظهر التفاعل معه والإعجاب بما يقوله.

وأخيرًا يجب علينا نحن الأبناء أن نَحرص على إشغال المُسن بما يَنفعه عند ربِّه، بإسماعه القرآن الكريم في الأوقات المناسبة، والقراءة عليه في الكتب الملائمة لمستواه العلمي، وترغيبه في ذِكر الله تعالى قدر الاستطاعة، وإشعاره بضرورة الاحتساب، والصبر على ما يُعانيه من أمراض أو عوارض، فلهذه من الفائدة ما لا يَخفى.

ومع ذلك كله لا بدَّ أن يشعرَ الوالدان بقُرب أولادهما منهما، ومحبَّتهم للجلوس معهما والأُنس بهما، وتَسابُقهم في خدمتهما، فلنَكن على علمٍ بهذا، ولنَحرص على برِّ آبائنا وأُمَّهاتنا؛ ففي ذلك الأجرُ من الله تعالى والأثرُ الطيِّب في الدنيا.

 

اضافة تعليق