د. عمرو خالد يكتب: كيف تجعل قلبك يحيا بذكر الله؟

الأحد، 09 يونيو 2019 02:49 م
اسليدر-د-عمرو


إذا كان الماء هو سر الحياة على وجه الأرض، فإن ذكر الله هو ما يجعل القلوب تنبض إيمانًا به، توحيدًا له، إقرارًا بعظمته، واعترافًا بجلال قدرته، فالقلوب التي تمتلئ بذكر الله، هي قلوب عامرة غير خربة، مضيئة ليس فيها ظلمة، تنبت بالخير دائمًا، لا ينقطع ثمرها ما دامت ترتوي بذكره.

الذكر أول الطريق إلى الله، فإذا ما أردت أن تسير إليه، وتتوجه إليه بقين ثابت، وإيمان لا يتزعزع، عليك بذكره، وسيقودك إلى حيث تريد من غير أن تضل أو تُضل، فالذكر ضياء ينير القلب ويجعله يرى بنور الله، ومن كان الله في قلبه، ما زاغ بصره وما طغى.

والقلب جهاز حساس جدًا للخير والشر، إذا ما غفل عن الخالق وابتعد عنه، اعتراه الصدأ كما يعتري الحديد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد”. قيل: يا رسول الله! فما جلاؤها؟ قال: "ذكر الموت وتلاوة القرآن"، فالذكر يزيل صدأ القلب يجعله كالمرآة نقيًا، فتنعكس عليها أنوار الله "نور على نور".

يقول الله تعالى" "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ". وقال عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم: أن موسى، عليه السلام، قال: يا رب، كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني. وقال الحسن البصري، إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره ويعذب من كفره .

قل: لا إله إلا الله.. فإنك إذا ما قلتها خالصًا مخلصًا من قلبك، ذكرك الخالق.. كيف يكون ذكره؟ يذكرك برحمته.. كرمه.. عفوه.. حنانه.. يذكرك فيعطيك.. يذكرك في السماء.. عندما تذكر الله كل يوم، فإن الذكر سيحولك لإنسان جديد مختلف.. ستتغير حياتك سريعًا مع الذكر "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

الذكر ليس مجرد كلام وعدد.. الذكر منظومة تتكون من أشياء، هي: اللسان، القلب، العقل، إذ لابد أن تنشغل هذه الآلات الثلاث بالذكر، حتى يحقق الفاعلية المرجوة منه.

لم ترد كلمة كثيرًا في القرآن إلا مقرونة بالذكر، "وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"،   "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا"، "وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا"، "وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا"، "كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا".

وهذا يوضح حقيقة أن الله تعالى يحب الذاكر له، ويزداد حبه له بمقدار ذكره له جلت عظمته، وتعالى اسمه، فلا تتوقف عن ذكره، ولاتنشغل عنه بما عداه، ونحن بحاجة إلى أن نذكره كل يوم حتى تهدأ جوارحنا.. وتستكين.. وتطمئن.. وتشعر بالقرب منه، حين يردد اللسان والقلب معًا ذكره،  اطمئنانًا ويقينًا، فيرزقه ببركة ذلك هدوءًا لايجعل القلب يضطرب، وراحة لايشعر معها بشقاء.

ولكي يحقق الذكر المراد منه، فإن له شروطًا ستة هي:

اذكر الله يوميًا لمدة لا تقل عن 20 إلى 30 دقيقة كاملة.. ومن الممكن تقسيم مدة الذكر على مرتين صباحًا ومساءً.. ربع ساعة صباحًا، ومثلهم مساءً.

عدم التشويش الفكري أثناء الذكر.. فلا تنشغل بهاتف.. ولا يزيغ قلبك عنه بالانشغال بمحادثة الأصدقاء.

اجعل لنفسك هدفًا محددًا..  بالأرقام للأذكار التي ستذكر الله بها. 1000 أو 2000 كل يوم

استخدم وسيلة للعد: مثل سبحة أو عداد أو سبحة إلكترونية، فقد كان الصحابة وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم يستخدمون الحصى.وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- أنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده"، وذلك كوسيلة مساعده للتذكير.

كما ينبغي اختيار المكان الذي يساعد على تحقيق الغاية من الذكر.. اختر مكانًا يساعد عقلك على التفكر.. اذكره لأنه يستحق العبادة.. لأنه مالك الملك.

وليس هناك أجمل ذكرًا من قول: "لا إله إلا الله"، فهي أساس العبودية للخالق، وحده لا شريك له أو ند، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خير ما قلت أنا والأنبياء من قبلي لا إله إلا الله".. ولن تشعر بحلاوة الذكر، ولن تركز فيه إلا عندما تفهم معنى ما تذكر الله به وتحسه.. لو فهمت معنى لا إله إلا الله لأشرقت روحك بأنوار التسليم لله وحده.

معنى لا إله إلا الله .. لغويًا فيها نفي وإثبات .. النفي.. لا إله.. فلو انتفى وجود إله يكون الكون والوجود كله عدم.. هذا هو معنى لا إله.. أما معنى إلا الله.. إثبات أن به كل الوجود.. فلا إله إلا الله.. معناها لا وجود إلا بالله. كله عدم إلا بالله.. كل الكون والموجودات وأنا وأنت عدم إلا بالله.

كل شيء بدون الله عدم معتم مظلم.. تخيل معنى عدم مطلق.. التراب ليس عدمًا.. فلولا نور الله وتجلى الله على الكون لما كان الوجود.

إن أعظم آية في  القرآن هي آية الكرسي "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، فهو الحي المطلق والكل فان.. الأصل في كل الوجود هو العدم.. أما القيوم فهو الذي  قامت به السموات والأرض.. كل ما سواه قائم به.. "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا"، هو القائم على حياتي وحياتك.. رزقي ورزقك.

قبل أن تسرح بعقلك في صور الكون الكثيرة ركز عقلك على الواحد الأحد.. هذا هو معنى" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ"، اذكر كل يوم ربك: لا إله إلا الله.. وعش معنى لا وجود لنا ولا للكون إلا بك يا الله.. لا إله إلا الله.

الكون كله من تجليات الله .. كل شيء في الكون يهتف لولا الله لما كنت أنا.. القمر.. الشجر.. النجوم.. الجبال.. الطيور. فلا ترى في الكون جماله، لكن ترى في الكون جمال تجليات الله عليه.

يقول الله تعالى: "فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ"، معناها: أينما وجهت عيناك.. سترى عظمة الله في الأكوان .. جبين الكون مكتوب عليه: لا إله إلا هو.

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩ "

مع كثرة لا إله إلا الله سيفتح لك الله أنوار وإشراقات عجيبة في قلبك .. كثرة لا إله إلا الله لتوجد في قلبك حنين عجيب إلى الله.. مع كثرة الذكر ستبدأ تساؤلات جديدة في حياتك.. هل هو راض عني، هل أنا ممن أحبهم الله. ستجد نفسك بعدها تقول له: أنا أحبك يارب.

أنا حياتي تغيرت بهذا الذكر.. وضعت هدف 2000 كل يوم، حتى وصلت إلى 100 ألف كل يوم على سطوح بيتي بالليل.. حتى إنني كنت أشعر أن الكون يهتف معي: لا إله إلا الله .

سأل موسى ربه: قال يارب علمني شيء أذكرك به كثيرًا.. فقال الله له: يا موسى: قل (لا إله إلا الله)، فقال موسى عليه:  كل عبادك يقولون هذا، فقال الله: يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع فى كفة و(لا إله إلا الله) في كفة.. لثقلت كفة لا إله إلا الله.

وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو عني النبي صلى الله عليه وسلم: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسع وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر‏.‏ ثم يقال‏:‏ أتنكر من هذا شيئًا‏؟‏ فيقول‏:‏ لا يا رب‏.‏ فيقال‏:‏ ألك عذر أو حسنة‏؟‏ فيهاب الرجل ويقول‏:‏ لا‏.‏ فيقال‏:‏ بلى إن لك عندنا حسنة‏.‏ وإنه لا ظلم عليك اليوم فيخرج له بطاقة - وهي الورقة الصغيرة - فيها‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات‏؟‏ فيقال‏:‏ إنك لا تظلم‏.‏ فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة‏".

 يا الله ...  يا الله ...  يا الله.. قالها في لحظة صدق وإخلاص فمسحت كل السيئات .. قل: لا اله إلا الله، فإنها تحرق المعاصي والذنوب. إذا كان لديك ذنب لا تستطيع أن تتركه، فأكثر من ذكر لا إله إلا الله فإنه يحرق الذنوب ويميتها في القلب.

اضافة تعليق