السيرة الحسنة.. كيف يبنيها الإنسان.. وتتناقلها ألسنة الناس؟

الجمعة، 07 يونيو 2019 02:56 م
السيرة الحسنة

حياة الإنسان لا تقاس بطول السنين، وإنما تقاس بأعماله، وهذا هو المعيار الحقيقي، كم من أناس رحلوا في ريعان شبابهم، وتركوا وراءهم تراثًا عظيمًا، وذكريات طيبة لا تمحى من عقول الناس وقلوبهم، وكم من أناس عاشوا عمرًا مديدًا، فلما رحلوا ما عاد أحد يتذكرهم بكلمة طيبة، وفي ذلك العبرة لكل إنسان.


والسيرة الحسنة كشجرة الزيتون لا تنمو سريعًا لكنها تعيش طويلاً، هي رأس مال الإنسان الذي يعيش به بين الناس، يظل يبنيها بأخلاقه وسلوكه الطيب ومعاملاته الصادقة، هي الميراث الحقيقي الذي يخلفه من بعده، وثروة أعظم من كل كنوز الدنيا، من ربحها، فقد ربح شهادة سبقى في صحائفه، فإنها من الدلائل والبشريات على حسن العمل، إذ لا يجتمع الناس على حسن سيرة أحد، إلا ويكون كذلك. 

وما أن تأتي سيرة صاحب السيرة الحسنة في مكان، إلا وعطّرت رائحته ألسنة المتحدثين عنه، لا ينكرها حتى الأعداء، فمع ما كانت تفعله قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنها لم تنكر عليه سمعته الحسنة وسيرته الطيبة بينها، هو الذي جعل سادة قريش يحتكمون إليه في نقل الحجر الأسود، عندما اختصمت القبائل على شرف حمله.

حتى إن الحرب كادت تنشب بينهم بسبب ذلك، إلى أن اتفقوا على أن يحكّموا في ما بينهم أول من يدخل من باب الصفا، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم (كان عمره آنذاك 35 عامًا) أول من دخل قالوا: "هذا الأمين رضينا بحكمه"، وقصوا عليه قصَّتهم فقال: "هلمَّ إليّ ثوبًا"، فأُتي به، فنشره، وأخذ الحجر فوضعه بيده فيه ثم قال: "ليأخذ كبير كل قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب"، ففعلوا وحملوه جميعًا إلى ما يحاذي موضع الحجر من البناء، ثم تناول هو الحجرَ ووضعه في موضعه، وبذلك انحسم الخلاف.

سيرته الطيبة وأخلاقه الحسنة هي ما جعلت السيدة خديجة رضي الله عنها تعمل على بث الطمأنينة والأمان في قلبه، بعد أن نزل إليه الوحي في الغار، ففي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: "فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: "زمِّلوني زمِّلوني" فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع، ثمَّ قال لخديجة: "أي خديجة! ما لي؟" وأخبَرَها الخبر، قال: "لقد خشيتُ على نفسي" قالت له خديجة: "كلا، أبشر؛ فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ والله إنك لتصل الرحم، وتَصدُق الحديثَ، وتَحمل الكَلَّ، وتُكسبُ المَعدومَ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق".

لم يكن ليحملها على تصديق وتأكيد ما يقوله إلا لسيرته الحسنة في قومه، وأخلاقه التي يشهد لها الجميع بها، وليس هناك أفضل من أن يتصف الإنسان بوأخلاق وفضائل، من جملتها صلة الرحم والصدق في الحديث مع الناس، والصدق في القول، والتعامل، وإعانة المحتاجين، وإقراء الضيف وإكرامه، والسعي في نصرة المظلوم وقمع الظالم، ونحو ذلك من الأخلاق، وهذا ما جعل بعض الصحابة يؤمنون برسالة الإسلام حتى قبل أن يعلموا بفحوى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من وحي السماء.

كان الدافع لدخولهم الإسلام في الأساس سيرته الطيبة، التي جعلته يلقب بينهم بالصادق الأمين، فكانوا يتركون ودائعهم عنده ليَحفظها لهم، لما عُرِفَ بينهم بصدقه وأمانته قبل البعثة، وحينما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليُعطي المشركين ودائعهم وأماناتهم التي تركوها عنده.

ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان أحسن الناس خُلُقًا؛ لم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا، ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يَجزي بالسيئة السيئة، ولكن يَعفو ويصفح"، فقد كان يجسد تعاليم الدين في صورة حية، لم يكن يعتمد على تلقين أصحابه ما يفعلون، دون أن يفعل هو ذلك بنفسه، وإنما كان يسبقهم إليهم فعلاً، وكانوا على خطاه يسيرون: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ".


فإن من الوسائل المهمة جدًا في تبليغ الدعوة الى الله وجذب الناس الى الإسلام، السيرة الطيبة للداعي وأفعاله الحميدة وصفاته العالية وأخلاقه الزاكية مما يجعله قدوة طيبة وأسوة حسنة لغيره، ويكون بها كالكتاب المفتوح يقرأ فيه الناس معاني الإسلام فيقبلون عليها وينجذبون إليها، لأن التأثر بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالكلام فقط.

ومن المفارقة، أن الإسلام انتشر في كثير من دول العالم بالسيرة الطيبة للمسلمين التي كانت تجلب أنظار غير المسلمين وتحملهم على اعتناق الإسلام، فكانوا لما رأوه من صدقهم في التعامل، وأمانتهم في المعاملات يجسدون الإسلام بأخلاقهم، ولم يكونوا كما يفعل البعض يرفعون لاقتة باسم الإسلام، وهو يسيء إليه أيما إساءة بسلوكه وتصرفاته.

ومن أهم ما يساعد على تكون الشخصية التي تتمتع بالسيرة الحسنة، الصدق: وهذا ما كان تصف به قريش النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبل نزول الرسالة عليه، والصدق من صفات المؤمن، والذي هو مطابقة الكلام للواقع، وقد أمر الله -تعالى- بالصدق، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"، بعكس الكذب الذي يعد من صفات المنافقين. 

وقد روى أن رجلا رأى النبي فلما عرفه قال أنت الذي يقول الناس عنه أنه كذاب، قال كذلك يقولون، فقال: لا والله ما هذا بوجه كذاب.. وقد قال عبدالله بن سلام عندما رأى النبي لأول مرة بعد الهجرة: "فلما نظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب".

والرحمة: وهي الرقة والشفقة والعطف، وهي لب رسالة الإسلام إلى البشرية، يقول الله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، وهي التي جعلت الإسلام يلقى القبول بين الناس لما رأوه من خلق الرحمة واللين في معاملة النبي الكريمة، "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ".

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة".

التواضع: ضد الكبر، وهو صفة محمودة تدل على طهارة النفس وتدعو إلى المودة والمحبة والمساواة بين الناس وينشر الترابط بينهم ويمحو الحسد والبغض والكراهية من قلوب الناس، وهي مخالطتهم وتحمل الأذى منهم، وبذل الندى لهم وكف الأذى عنهم. 

وقد ورد الإشارة إلى خلق التواضع في القرآن في أكثر من موضع، فقال الله تعالى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"، وقال أيضًا: "وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا".

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التواضع، وحث عليه بقوله: "إن الله أوحَى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يَبغي أحد على أحد"، وقال أيضًا: "طُوبَى لمن تواضع في غير منقصة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة".

الحب: وهو شعور نبيل طاهر، لا معنى للحياة دونه، وهو يتجاوز فكرة الحب بين الرجل والمرأة، إلى كونه أن يحب الإنسان جميع الناس، كل الناس، وأن يحب الخير لهم، حبه لنفسه، فإن لله سبحانه وتعالى تسعًا وتسعين اسمًا، من ضمنها اسم الودود بمعنى المحب لخلقه وعبادة، وقد جعل محبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم أعلى درجات الحب وأرقاها وأكثرها أجرًا، وأوجبها على المسلم، وجعل طاعته بمحبته، إذ قال تعالى: "قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ".

ومن أعظم درجات الحب، الإيثار، وهو أن تفضل أخاك المسلم على نفسك بكل ما هو خير، وأن تحب لأخيك المسلم ما تحبه لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك، وأن تكون سالم الصدر، من الحسد والحقد والبغضاء.

موافقة العمل للقول: وهذه من أهم صفات المؤمنين، فالإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، فكلما اقترن سلوك الإنسان بفعله كلما كان ذلك أدعى لأن يحظى بحب الله وحبب الناس، وأن يكون معروفًا عنه بينهم بحسن السيرة، وإلى ذلك دعا الله في القرآن، فقال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ".

اضافة تعليق