الرأي الشرعي يكشف.. لماذا تختلف رؤية الهلال في البلاد الإسلامية؟

الأربعاء، 05 يونيو 2019 12:30 ص
الهلال


دائما ما تثير حالة استطلاع هلال شهر رمضان أو عيد الفطر الجدل بين العام والأخر في عقول المسلمين وأحاديثهم حول سبب اختلاف الرؤية من بلد إسلامي لأخر، رغم قرب المسافة بين البلدين واشتراكهم في جزء كبير من الليل، ويتساءلون لماذا لا يتم توحيد رؤية الهلال بين البلدان الإسلامية، فيما يشكك أخرون في اجتهاد العلماء والمتخصصينناحية استطلاع الهلال، فمنهم من يتهم بالتضليل ومنهم من يتهم بالقصور.

واختلفت الدول العربية في رؤية هلال شوال، وتحديد أول أيام عيد الفطر المبارك، ما بين يومي الثلاثاء والأربعاء 4 و5 يونيو الجاري.

وأعلنت 4 دول أن الثلاثاء هو أول أيام عيد الفطر، على رأسهم المملكة العربية السعودية، كما اتفقت دول الكويت والإمارات وقطر، مع المملكة العربية السعودية.

في حين اختلفت مصر وفلسطين والأردن ودول أخرى أعلنت أن عيد الفطر يوم الأربعاء.

وفي هذا الصدد تقول دار الإفتاء المصرية، إن الحساب الفلكي أحد وسائل إثبات ظهور الهلال، وقد دلت الأدلة من القرآن والسنة المطهرة والمعقول على أخذ واعتبار الحساب الفلكي، وجمهور العلماء على اعتباره، وأن معارضته للرؤية البصرية الصحيحة غير ممكن؛ فإن الحساب الفلكي قطعيٌّ، ولمّا كانت الرؤية البصرية مظنة الخطأ: فإنها إن خالفت الحساب الفلكي فلا يعتد بها؛ لأن القطعيَّ مقدمٌ على الظني.
وأما قضية الفرق بين علم الفلك ومهنة التنجيم: فإن مهنة التنجيم عبارة عن حدس وتخمين، وليس فيها قطع ولا ظن غالب، والحكمُ فيها حكمٌ بجهل؛ ولهذا فهو مذموم، أما علم الفلك فهو علم قطعي؛ لابتنائه على قوانين قطعية، وهو من فروض الكفايات التي تأثم الأمة جميعًا لو عُدم فيها مَن يعلمه؛ لكونه تتوقف عليه جملةٌ من مصالح الدين والدنيا لا تتم إلا بمعرفته ودراسته.
وأما قضية ميلاد الهلال، ورؤية الهلال: فميلاد الهلال هو اللحظة التي يعبر فيها مركز القمر خط الاقتران أو الاجتماع، وهو الخط الواصل بين مركزي الأرض والشمس، وتقع هذه اللحظة ما بين منتصف ليل التاسع والعشرين وصباح يوم الثلاثين من الشهر القمري.
ورؤية الهلال هي اللحظة التي يُرى فيها ضوءُ القمر من سطح الأرض بعد افتراقه وابتعاده 8 درجات على الأقل عن خط الاقتران، فإذا جاءت هذه اللحظة بعد غروب الشمس، وكانت الظروف الجوية مواتيةً، وفترة المكث لا تقل عن عشر دقائق، أمكن رؤية الهلال، وهي الرؤية التي يعول عليها في الحكم بدخول الشهر من عدمه، ولا تعتمد على موعد ميلاد الهلال.
وأما قضية شروق الشمس والقمر وغروبهما في الحسابات الفلكية، وفي القرآن الكريم:
- فالإفراد في "المشرق والمغرب" يدل على الاتجاه ناحية الشرق وناحية الغرب، واتجاه المشرق والمغرب هو الذي يحدد اتجاه الجهات الأصلية التي تعتبر الأصل في اتجاهات المواقع، والتي منها تحدد اتجاهات القبلة، بحيث يتحقق شرط أقصر مسافة إلى الكعبة.
- والتثنية في "المشرقين والمغربين" تتوافق مع الحقيقة العلمية في أن لكل نقطة على مسار الشمس السنوي مشرقين؛ حيث تشرق الشمس مرتين على كل نقطة في مسارها.
- والجمع في "مشارق الأرض ومغاربها" يتفق مع ما تقول به الحقيقة الفلكية؛ من أن الشمس تغير موقع شروقها وغروبها ربع درجة يوميًّا.
وأما القضية المتعلقة باختلاف المطالع: فإن العلماء قد اختلفوا في اعتباره من عدمه في خصوص ما يترتب على رؤية الهلال في إحدى البلدان؛ من وجوب الصوم أو الفطر على غيرها التي لم يُشاهَد فيها الهلال.
فذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع؛ بمعنى أنه إذا رأى الهلالَ أهلُ بلدٍ ولم يره أهلُ بلدٍ آخر وجب عليهم أن يصوموا برؤية أولئك كيفما كان.
وذهب آخرون إلى أن هلال رمضان إذا رؤي في بلد ولم يُرَ في غيرها؛ فإِنْ تقارب البَلَدَان فهما كالبلد الواحد، ويَلزمُ أهلَ البلد الآخر الصومُ، وإن تَبَاعَدَا فلا يجب الصوم على أهل البلد الآخر.
ونقل العلامة ابن المنذر أن رؤية الهلال لا تلزم غير أهل بلد الرؤية.
والذي عليه قرار مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة: أنه لا عبرة باختلاف المطالع وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤية وإن قل، ويكون اختلاف المطالع معتبرًا بين الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة. اهـ.
وأما قضية القمر الاصطناعي، وإمكانية بث صورة الهلال بعد غروب شمس التاسع والعشرين ليراها جميع المسلمين في كل بقاع الأرض: فإن هذا المشروع قَطَعَ مرحلة كبيرة من مراحل تنفيذه، وأُجرِيَت له دراسات جادة وتم الاتفاق على كثير من جوانبه، بحيث يتم رصد الهلال بهذا القمر عن طريق تلسكوب محمول على ظهر القمر الاصطناعي، ويوجَّه هذا التلسكوب في يوم التاسع والعشرين من الشهر العربي إلى أفق الرؤية بعيدًا عن السحب والموانع الجوية المختلف؛ فإذا كان الهلال موجودًا فوق الأفق يتم إرسال صورته إلى شاشات التلفاز العادية، وبذلك يراه كل المشاهدين رَأْيَ العين، ويقطع القمر الصناعي دورته حول الأرض في حوالي ساعة ونصف.
وأما قضية اعتبار الحساب الفلكي في إثبات هلال شهور رمضان وشوال وذي الحجة، باعتبارها حجر الزاوية بين الشهور القمرية: فإن هذه القضية تسبب الالتباس والاضطراب، وهي حالة غير قاطعة، وتتأثر فيها رؤية الهلال باختلاف المطالع، وفيها يكون اختلاف المطالع بين الشرق والغرب ذا تأثيرٍ كبير، وهي حقيقة علمية تنشأ من طبيعة مدار القمر حول الأرض، ويجب أن تؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ أي قرار، وتنقسم إلى ثلاث حالات رئيسة:
1- أن يغرب القمر بعد غروب الشمس في معظم البلاد العربية والإسلامية، ويغرب في بعضها قبل غروب الشمس، وفي هذه الحالة يكون لكل بلدٍ مطلعه الذي يُحكَمُ فيه بدخول الشهر من عدمه، وهذا جائزٌ شرعًا.
2- أن يغرب القمر قبل غروب الشمس في معظم البلاد العربية والإسلامية، ويغرب في بعضها بعد غروب الشمس.
3- أن يغرب القمر قبل غروب الشمس في نصف البلاد تقريبًا، ويغرب بعد غروبها في النصف الآخر تقريبًا، وفي الحالتين السابقتين -الثانية والثالثة- قد يؤخذ بمبدأ اختلاف المطالع كما في الحالة الأولى، أو لا يؤخذ؛ وذلك تبعًا لما يقرره أولو الأمر في هذا الصدد.
وأما قضية توحيد أوائل الشهور القمرية لجميع المسلمين في العالم فإنه يجب أن تتوافر في الشاهد العدل عدة شروط شرعية وفلكية: فيجب أن يكون صحيح البدن، بَيِّنَ العقل، صحيح البصر -ولا يشترط أن يكون حادًّا-، مشهودًا له بالتقى والورع، على علم بمكان وزمان وهيئة الهلال أثناء التماسه. ويكون على أولي الأمر الذين لهم سلطة إصدار قرار الصيام أو الإفطار أن يختبروا قدرات الشاهد البدنية والنفسية والعلمية على ضوء ما تحدده الحسابات الفلكية عن ظروف الرؤية وحالة الهلال إِبَّان التماسه.
وأما قضية المراكز الفلكية واختلاف معاييرها: فإن المراصد الفلكية هي المؤسسات الحكومية التي أنشأتها الدولة بقرارات رسمية، وتحوي بين جدرانها أجهزةً وآلاتٍ فلكيةً قديمةً أو حديثةً متطورةً تستخدم في عمليات الرصد المختلفة، ويقوم بالعمل على هذه الأجهزة فلكيّون حاصلون على الأقل على الدرجة الأولى في علم الفلك -البكالوريوس-، ويمارسون القيام بالبحوث الفلكية في سبيل الحصول على الماجستير في علم الفلك، بما يتيح لهم أن يكونوا أعضاءً في الاتحاد الدولي الفلكي، وهو أقدم مؤسسة فلكية بين جميع المؤسسات العلمية في العالم.

هل هناك إلزام شرعي بتوحيد المسلمين علىهلال واحد؟

ذهب جمهور أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى القول الأول، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" متفق عليه من حديث ابن عمر، وقالوا الخطاب عام لجميع المسلمين، ولا عبرة باتفاق المطالع واختلافها.

وذهب الإمام الشافعي وجماعة من السلف إلى القول باختلاف المطالع، وقالوا إن الخطاب في الحديث نسبي فإن الأمر بالصوم والفطر موجه إلى من وجد عندهم الهلال، أما من لم يوجد عندهم هلال فإن الخطاب لا يتناولهم إلا حين يوجد عندهم، وهذا القول هو الراجح.

والقول بعدم اعتبار اختلاف المطالع، فيقول العلماء إنه يخالف المعقول والمنقول، أما مخالفته للمعقول فلمخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات، وأما مخالفته للمنقول فلأنه مخالف لما أخرجه مسلم وغيره، عن كريب قال: قدمت الشام واستهل عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟. فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم.

وأما ما يثبت به رمضان فهو رؤية هلال رمضان ولو من واحد عدل، أو بكمال شعبان ثلاثين يوماً إذا كانت ليلة الثلاثين منه صحوا، فإن فيها غيم أو سحاب أو نحو ذلك، فقد اختلف في الحكم هنا أهل العلم، وخلافهم فيه ناشئ عن اختلاف فهمهم في المراد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن غمَّ عليكم ـ يعني هلال رمضان ـ فاقدروا له" المتفق عليه عن ابن عمر، فذهب أحمد وطاووس وطائفة قليلة إلى أن معناه: ضيقوا له العدد، كقوله تعالى: (ومن قدر عليه رزقه) [الطلاق: 7] أي ضيق، وقوله تعالى: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) [الشروى: 12] ومعنى التضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، وإذا كانت السماء ليلة الثلاثين من شعبان ذات سحاب أو غيم ونحوه مما يحول دون رؤية الهلال يصام اليوم التالي، ويقدر الهلال تحت السحاب. قالوا: وقد فسر ابن عمر هذا الحديث بفعله، وهو راويه وأعلم بمعناه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، فقد أخرج أبو داود أن نافعاً قال: كان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون، بعث من ينظر الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً".

وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وهي رواية عن أحمد ، وجمهور السلف إلى أن الشهر يثبت برؤية الهلال، أو إكمال العدة ثلاثين يوماً ، وأن صيام يوم الغيم لايجزئ عن رمضان. وقالوا إن معنى فاقدروله أي: قدروا تمام العدد ثلاثين يوما ، واحتجوا ببقية الروايات ، مثل : " فاقدروا له ثلاثين، وهي مفسرة للرواية المطلقة "فاقدروا له".

والراجح أن الشهر يثبت برؤية الهلال، فإن غّم أكمل ثلاثين يوماً، وهو قول جمهور العلماء، لأن القول بتقديره تحت السحاب والغيم منابذ لصريح باقي الروايات، والقول بحساب المنازل مردود بما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا". قال ابن حجر "والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، والمقالة محمولة على أكثرهم، لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا: حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، فعلق الصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً".

اضافة تعليق