آية تحصنك من الحزن والقلق والندم و الفخر

السبت، 01 يونيو 2019 11:02 م
دعاء من أصيب بمصيبة
كل شىء يحدث في الكون بقدر من الله تعالى ومكتوب عنده من الأزل

هذه الآية الكريمة تجعلك مرتاح النفس مطمئن محصن ضد القلق والندم، تجعلك توقن بأنه لا شيء يقع في هذا الكون اعتباطًاً، وإنما مقدر ومرتب ومسجل وقوعه لدى رب العالمين من قديم الأزل ، كما تقون بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما اخطأك لم يكن ليصيبك ..إنها الآية الكريم رقم 22 من سورة الحديد التي يقول فيها رب العزة :( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ).

وفي تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله يقول: يخبر  الله تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} أي في الآفاق وفي نفوسكم، { إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} أي من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة، وقال بعضهم: الضمير عائد على النفوس، وقيل عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها.

كما روي عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً مع الحسن فقال رجل: سله عن قوله تعالى: { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} ، فسألته عنها، فقال: سبحان اللّه، ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب اللّه من قبل أن يبرأ النسمة، وقال قتادة { ما أصاب من مصيبة في الأرض}قال: هي السنون يعني الجدب { ولا في أنفسكم} يقول: الأوجاع والأمراض، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلخال عرق إلا بذنب، وما يعفو اللّه عنه أكثر، وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق - قبحهم اللّه - . روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (قدّر اللّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) ،أخرجه مسلم وأحمد ورواه الترمذي بالزيادة، وقال: حسن صحيح""، وزاد ابن وهب:  وكان عرشه على الماء.

وقوله تعالى:  إن ذلك على اللّه يسير} أي إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها سهل عليه عزَّ وجلَّ، لأنه يعلم ما كان وما يكون، وقوله تعالى: { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} أي أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تيأسوا على ما فاتكم { ولا تفرحوا بما آتاكم} أي لا تفخروا على الناس بما أنعم اللّه به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا بكدكم، وإنما هو عن قدر اللّه ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم اللّه أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس، ولهذا قال تعالى: { واللّه لا يحب كل مختال فخور} أي مختال في نفسه متكبر فخور، أي على غيره.
 وقال عكرمة: (ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً) ثم قال تعالى: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} أي يفعلون المنكر ويحضون الناس عليه، { ومن يتول}أي عن أمر اللّه وطاعته { فإن اللّه هو الغني الحميد} ، كما قال: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد .
أما الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله فيقول حول تفسير هذه الآية الكريمة(مآ أصاب من مصيبة في الأَرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير ( يعني جميع المصائب التي تصيب الإنسان في الأرض أو في نفسه قد كتبت من قبل. والمصيبة في الأرض كالجدب، وقلة الأمطار، وغور المياه وصعوبة منالها، وربما يقال أيضاً الفتن والحروب وغيرها .


( ولا في أنفسكم ) أي: في نفس الإنسان ذاته من مرض، أو فقد حبيب، أو فقد مال، أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها { إلا في كتاب }، هذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شئ، لما خلق الله سبحانه وتعالى القلم قال له: اكتب قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (49) . سبحان الله ما أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شئ إلى يوم القيامة، ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله عز وجل، لأن أمر الله تعالى إذا أراد شيئاً، يقول له: كن. فيكون،

ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل ولكن لا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، فقد ظهر الآن من صنع الآدمي قطعة صغيرة يسجل فيها آلاف الكلمات وهي عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، وقد يسجل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء كن فيكون، ولما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

فالمصائب التي تصيب الناس هي في أمر سابق، ولهذا قال: (إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ )، وقوله): نبرأهآ( ، قيل: إنها تعود على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على النفس، وقيل: على الجميع، والصحيح أنها على الجميع، أي من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها، وذلك لأن الله كتب مقادير كل شئ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، { إن ذلك على الله يسير } يعني إن كتابة هذه المصائب يسير على الله - عز وجل - لأنه قال للقلم اكتب فكتب وهذا يسير، كلمة واحدة حصل بها كل شئ ( إن ذلك على الله يسير (، كل شئ فهو يسير على الله، لأن الأمر كلمة واحدة كن فيكون، أرأيتم الخلائق يوم القيامة تبعث بكلمة واحدة، قال الله عز وجل: إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ، وقال عز وجل: (فإنما هي زجرة واحدة ( أي: على وجه الأرض خرجوا من القبور، هذا يسير.

وتابع الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تفسيره للآية الكريم فقال، أما قوله عز وجل:( لكيلا تأسوا على ما فاتك ) أي: أخبرناكم بأن كل مصيبة تقع فهي في كتاب، لكيلا تأسوا ، اللام للتعليل، وكي بمعنى أن، أي: لأن لا تأسوا، ومعنى تأسوا تندموا على ما فاتكم مما تحبون.

( ولا تفرحوا بما آتاكم ) أي: لا تفرحوا فرح بطر واستغناء عن الله بما آتاكم من فضله، فإذا علمت أن الشئ مكتوب من قبل فلا تندم على ما فات لأنه مكتوب، والمكتوب لابد أن يقع، ولا تفرح فرح بطر واستغناء إذا آتاك الله الفضل، لأنه من الله مكتوب من قبل، فكن متوسطاً لا تندم على ما مضى، ولا تفرح فرح بطر واستغناء بما آتاك الله من فضله، لأنه من الله.

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال:  المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ». القوي في إيمانه وليس القوي في بدنه، وأصحاب الرياضة يجعلون هذا عنواناً: « المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف » ويقول: المراد بالمؤمن القوي في بدنه. وهذا غلط، ( المؤمن القوي ) هنا وصف يعود إلى ما سبقه وهو الإيمان، « المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير »، وهذا يسميه البلاغيون الاحتراس، بمعنى أنه قد يظن الظان أن الضعيف لا خير فيه، قال: « وفي كل خير » ثم قال: « احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان » والإنسان إذا علم أن كل شيء مقدر ولابد أن يقع رضي بما وقع، وعلم أنه لا يمكن رفع ما وقع أبداً، ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، وتغيير الحال - بمعنى رفع الشئ بعد وقوعه - من المحال.

( والله لا يحب كل مختال فخور )، مختال في فعله، فخور في قوله، ومن الاختيال في الفعل أن يجر ثوبه، أو مشلحه، أو عباءته، أو غير ذلك مما يدل على الخيلاء، حتى وإن لبس ثوباً وإن لم يكن نازلاً لكنه يعد خيلاء فهو خيلاء، الفخور هو المعجب بنفسه الذي يقول: فعلت وفعلت وفعلت، يفخر به على الناس، لأنك ما دمت فاعلاً الشيء تريد ثواب الله فلا حاجة أن تفخر به على الناس، بل اشكر الله عليه، وحدِّث به على أنه من نعمة الله عليك.

اضافة تعليق