"إرضاع الكبير".. الفتنة تطل مجددًا

السبت، 01 يونيو 2019 01:22 م
إرضاع الكبير


حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على المبادرة والتزود بالأعمال الصالحات قبل حلول الفتن، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ [الأنعام: 158].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلِم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينَه بعَرَضٍ من الدنيا"؛ رواه مسلم.

 وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ من الفتنة دبرَ كل صلاة؛ فعن أم المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات".

ومن أشد الفتن طعنًا في الإسلام وخطرًا عليه، إثارة الشبهات، وهي اختلاط بين أمرين متقاربين تعمدًا لنشر الفتن في أمور الدين أو الدنيا.

فهناك أشخاص همهم تشتيت الجماعات المعتصمة، لأغراض دنيوية، وتفريق الأمة الإسلامية بأيدي أعداء الإسلام، وقد يكون هذا العدو من المسلمين أنفسهم، الذين باعوا دينهم بحطام الدنيا، وقد يكون من الكفار الذين ما وَهَنوا يومًا ولا ضيَّعوا دقيقة في إطفاء نور الإسلام.

ومن صفات المفسدين في الأرض الذين ينشرون الفتن أنهم يتفقهون في دين الله تفقهًا سطحيًّا، يمازجون بين الصحيح والضعيف، أو بين الناسخ والمنسوخ؛ ابتغاء الفتنة فقط؛ لذا ذمهم الله تعالى في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7].

إرضاع الكبير

وفي الوقت الذي يموج فيه العالم الإسلامي بمنعطفات تاريخية شتت شملهم ودمرت وحدتهم، وكثر فيه فقراؤهم، عادت قضية "إرضاع الكبير" للظهور مجددًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد سنوات من إخماد فتنتها، بعد أن أثارت غبارًا كثيرًا وقتها.

وعلى الفور، تلقف البعض القضية وعمد إلى إثارتها مجدداً، في شهر رمضان الذي يعد فرصة لإصلاح أحوال المسلمين، إلا أن أصحاب الفتن أبوا ألا يمر هذا الشهر الكريم وقد زادوا من نشر فتنتهم بين الناس، ليتداعوا على الإسلام كما تداعوا على قصعة الطعام.

واستشهد وسيم يوسف، خطيب مسجد الشيخ زايد بأبوظبي، بمقطع صوتي للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الباحث في شؤون الحديث النبوي والذي يعد من علماء الحديث ذوي الشهرة في العصر الحديث، قائلاً في تعليق على التسجيل: "الشيخ الألباني - رحمه الله - يقول أن حديث "إرضاع الكبير" كانت مباشرة من الفم لثدي المرأة وليس عن طريق إناء أبدًا! لأنه لا يثير شهوة الرجل ..ما رأيكم بقوله ؟ فرأيكم يهمني جدًا".

وجاءت تغريدة يوسف ضمن سلسلة للرد على تغريدة حول عائشة بنت أبي بكر، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، رادًا بتغريدة منفصلة قال فيها: "هل ترضى بهذا الكلام على أمك؟؟ فكيف ترضاه على أم المؤمنين!! وكيف تقاتل لإثبات صحة الحديث، ولا تقاتل للدفاع عن سمعة أم المؤمنين!".


وهذه القضية سبق أن تم إثارتها قبل سنوات وفجرت لغطًا وقتها، عندما أصدر  الدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر في  أبريل 2007 العام فتوى أباح فيها للمرأة التي تعمل مع رجل غريب عنها في غرفة واحدة لا ثالث لهما فيها، بأن ترضعه حتى لا تصبح الخلوة بينهما حرامًا.

ووسط الجدل الواسع الذي أثارته الفتوى على صفحات الجرائد وعلى شبكة الإنترنت، أصدر المجلس الأعلى للأزهر بيانًا جاء فيه أن ما جاء على لسان عطية، "يتنافى مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف ويخالف مبادئ التربية والأخلاق ويسيء إلى الأزهر كمؤسسة إسلامية مرموقة".


ولاحقًا، تراجع عطية عن فتواه، وقال إن "ما أثير من كلام حول موضوع رضاع الكبير، وما صرحت به إنما نقل عن الأئمة ابن حزم وابن تيمية وابن القيم والشوكاني وأمين خطاب، وما استخلصته من كلام ابن حجر رحمه الله".

وأضاف: "مع هذا فالرأي عندي أن الرضاعة في الصغر هي التي يثبت بها التحريم كما قال الأئمة الأربعة.. وأن رضاع الكبير كان واقعة خاصة لضرورة، وما أفتيت به كان مجرد اجتهاد، وأنه بناء على ما تدارسته مع إخواني من العلماء فأنا أعتذر عما بدر مني قبل ذلك، وأرجع عن هذا الرأي الذي يخالفه الجمهور".

وفي عام 2016، انسحب الشيخ عبدالعزيز البري، أحد أئمة الأزهر من حلقة مباشرة على الهواء مع قناة LTC، بعد نشوب مشادة كلامية حادة بينه وبين الباحث عبده ماهر، على خلفية الجدل حول فتوى "إرضاع الكبير".

إذ أشار الشيخ الأزهري في هذه الحلقة التي كانت تتناول موضوع ازدراء الأديان، إلى أن هذا الموضوع عبارة عن فتوى خاصة وليست عامة، أفتاها النبي في ذلك الوقت ولم يكن هناك حل آخر في حينها، مضيفًا أنه قد يكون هناك "سنّة صحيحة" أشد من هذا الموضوع المثار.

اضافة تعليق