لماذا حث الرسول علي طلب العفو في" ليلة القدر" ؟.. إجابة مثيرة

الخميس، 30 مايو 2019 07:40 م
هذه هي العلاقة بين ليلة القدر وطلب العفو
هذه هي العلاقة بين ليلة القدر وطلب العفو

حثنا الرسول صلي الله عليه وسلم وفي أحاديث عديدة علي تحري وقيام ليلة القدر وحض علي دعاء بعينه يجبب تكراره في تلك الليلة المباركة وهو: " اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنا .. دون أن نسأل انفسنا لماذا حثنا الرسول علي طلب العفو في الليالي العشر والأواخر وفي مقدمتها ليلة القدر ونصحنا بتكرار هذه الدعوة .

الجواب يأتي في حديث عن عائشة أم المؤمنين بنت الصديق رضي الله عنها إذ قالت : قلت : يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال : قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني .

فلماذا العفو في هذه الليلة خصوصا وهنا لابد ان أن ندرك أننا لا نطيق عذاب الله إن لم يعفُ عنا فعن أنس بن مالك رضي الله عنه :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من المسلمينقد خفَت فصار مثل الفرخفقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل كنت تدعو الله بشيء، أو تسأله إياه ؟
الرجل رد علي النبي  : نعم كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيافقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله لا تطيقه، ولا تستطيعه، أفلا قلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ؟ قال : فدعا الله به، فشفاه الله تعالى ..وحسنة الآخرة، هي المعافاة ..

أما سبب تخصيص طلب العفو في هذه الليلة فيتمثل في أن  طلب العفو والمغفرة هو دعاء الأنبياء جميعا أنفسهم فهذا أبونا آدم، ومعه أمنا حواء يدعوان : "قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" "الأعراف: 23"

وهذا سيدنا نوح يقول : "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا " "نوح: 28"وهذا سيدنا موسى يسأل ربه : "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " "القصص: 16".

السبب الثالث عن تخصيص طلب العفو في ليلة القدر يعود لكونه دعاء الملائكة للمؤمنين :قال تعالى : "الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ "7" رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "8" وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " "غافر: 7، 9" .

رابع الأسباب لهذا الأمريأتي كون هذا الدعاء هو دعاء الأنبياء للمؤمنين :فهذا نوح يدعو للمؤمنين بالمغفرة قال تعالى : "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات" "نوح: 28"وهذا سيدنا إبراهيم يدعو للمؤمنين بالمغفرة قال تعالى : "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب" "إبراهيم: 41".

هذا الدعاء كان فعل رسول الله لنفسه والمؤمنين  ولأن هذا ما أمر به الله سيدنا محمدًا أن يفعله لنفسه وللمؤمنين قال تعالى :"واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات" "محمد: 19" . وقال تعالى : " وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" "المؤمنون: 118"

القرآن الكريم كان حاضرا بقوة في الرد علي التساؤل الأول  ولأن عفو الله في القرآن ذكر مع الذنوب العظام قال تعالى : "يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا" "النساء: 153" فكان العفو عن اتخاذ العجل إلها من دون الله،ما يدل على أن العفو يأتي بعد إسراف الإنسان على نفسه.

ولن نبتعد كثيرا أذ ا أكد ان تخصيص الدعاء بالعفو في ليلة القدر عمل  النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنهفعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتيقال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم .

الله تعالي ذكر كذلك في فضائل العفو والمغفرة والرحمة باعتبارها خير من كل ما يجمعه الإنسان قال تعالى : "لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" "آل عمران: 157"وقال تعالى : "وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" "الزخرف: 32"

ولذلك خطَّأ ابنُ علان ابن العربي في قوله : ينبغي لمن ظفر بليلة القدر أن يسأل إجابة الدعاء قال ليظفر بكنز ينفق منه أبد الآبادفقال ابن علان : وفيما أشارت إليه عائشة مما ذكر غنية عن ذلك وغيره؛ فالخير في الاتباع ..

ابن رجب قال أيضا :وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الإجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.

اضافة تعليق