الصلاة والدعاء والاعتكاف.. ثلاثية العشر الأواخر لتحصيل الخير من رمضان

الخميس، 30 مايو 2019 09:40 ص


أهل رمضان بالعشر الأواخر المباركة منه، والتي تجتمع فيها بشائر الخيرات ونسائم الرّحمات، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهلت العشر الأواخر من رمضان، اعتزل نساءه وشدّ المئزر، وأحيا اللّيل بالصّلاة وقرأ القرآن وتدبّر، واجتهد فيها بالطّاعة ما لا يجتهد في غيرها من اللّيالي الغوابر.

وقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ من رمضان مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ»، وفي الصّحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ».

كما كان الصّحابة رضي الله عنهم يجتهدون في العبادة باللّيل وإلى الله يتقرّبون، ولفضله ورحمته يتعرّضون، ويأمرون بذلك أهليهم ولهم يوقظون.

وكان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلاَةِ، يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلاَةَ! الصَّلاَةَ!، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾».

ومن فضل العشر الأواخر أنها شهدت نزول القرآن، الّذي جعله الله رحمة وهدى لبني الإنسان، وفيها يُفصل ويُقضى كلُّ أمر حكيم، ويُقدّر ما يكون في السّنّة كلِّها بإذن العزيز العليم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾.

وقدر الله العمل الصّالح في العشر الأواخر من رمضان خير من العمل في ألف شهر؛ قال -عزّ وجلّ-: ﴿َليْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.

ومن هنا رغّب النّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمّته في تحرِّيها في العشر الأواخر من شهر الصّيام، وحثّهم على طلبها وإصابة فضلها بالعبادة والقيام؛ فقال -كما في الصّحيحين-: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» ، وهي في الأوتار من هذه اللّيالي أرجى منها في الأشفاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم -فيما رواه البخاريّ-: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ».

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ -أي: اتّفقت- فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ؛ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» [متّفق عليه]، ولمسلم: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ؛ فَلاَ يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي».

وينبغي الاجتهاد في طلب ليلة القدر، بالإقبال على العبادةِ في جميع العشر؛ حتّى يصيب العبد هذه الليلة الغرّاء، ويكون بها من السّعداء، بالصّلاةُ، والدُّعاءُ، فقد قال النّبيُّ صلى الله عليه وسلم -كما في الصّحيحين-: «مَنْ قَامَ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»؛ أي: إيماناً بالله، وبما أعدّه من الثّواب للقائمين، واحتساباً للأجر الّذي يكون عنده يوم الدِّين.

وأمّا الدُّعاءُ: فقد ثبت في (سنن التّرمذيّ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم -كما ثبت في (صحيح مسلم)-: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ».

سنة الاعتكاف في العشر الأواخر

وقد كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعتكف في المسجد ويلزمه فلا يخرج منه في العشر الأواخر؛ تفرّغاً لعبادة الله -عزّ وجلّ-، وطلباً لثواب الله وفضله بإحياء ليلة القدر، وتزوّداً من الأعمال الصّالحة في موسم الأجر، وحملاً للنّفس وتدريباً لها على الصبرِ على فعلِ الطّاعةِ.

الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان سنة مؤكدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعتكف في مسجده عشر رمضان الأواخر إلا العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً.


وأوضح «مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية» أنه لابد أن يكون الاعتكاف في المسجد، لقوله تعالى «وأنتم عاكفون في المساجد»، لأن النبي لم يعتكف إلا فيه.


وأضاف أن اعتكاف المسلم في المسجد مشروط بأن يكون قد ترك لأهله ما يكفيهم مدة اعتكافه، حتى لا يضيّع من يعول، فيكون كمن بنى قصراً وهدم مصراً.

كما قالت دار الإفتاء المصرية، إن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أرشدنا إلى اغتنام الوقت والانتفاع بمواسم الخير، مشيرة إلى أنه من أعظم هذه المواسم العشر الأواخر من رمضان، حيث تهب نفحات الرحمن بالرحمة والمغفرة والعتق من النيران، وتسطع أنوار الإيمان فى ليلة مباركة أنزل فيها القرآن، هى ليلة القدر خير من ألف شهر.

وحثت دار الإفتاء فى فيديو موشن جرافيك أنتجته وحدة الرسوم المتحركة بالدار المسلمين على اغتنام العشر الأواخر من رمضان بقراءة القرآن والذكر والصلاة، وألا ينشغلوا عنها بفضول الدنيا، عسى أن تنالهم من الله نفحات خير يسعدون بها فى الدنيا والآخرة، فعن عَائِشَة رضى الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِى غَيْرِهِ».


فينبغي على المسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه هو الأسوة والقدوة ، والجِدّ والاجتهاد في عبادة الله ، وألا يضيّع ساعات هذه الأيام والليالي ، فإن المرء لا يدري لعله لا يدركها مرة أخرى باختطاف هادم اللذات ومفرق الجماعات والموت الذي هو نازل بكل امرئ إذا جاء أجله ، وانتهى عمره ، فحينئذ يندم حيث لا ينفع الندم .

اضافة تعليق