رمضان والنسخة الأفضل منك!

الثلاثاء، 28 مايو 2019 10:46 م
9998962170


رمضان، رحيله حتمي..
وقد جاء بمتاع كثير..
لكنك تخشى أن يرحل دون أن تأخذ منه المتاع الأهم : النسخة الأفضل منك.
كل متاعه ، سيكون قليلا جدًا، ن لم تحصل منه على هذه بالذات،
على النسخة الأفضل منك.

رمضان صمم أصلا ليكون كذلك، لم يكن تسميته برمضان اعتباطًا،
كان يمكن أن يكون رجب أو شعبان أو أي شهر قمري آخر، لكن رمضان تحديدًا !
سمي رمضان من "رمض"، وهو شدة الحر، وقال ابن دريد لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الحرّ وشدّته فسمّي به.

سنقول : لكن رمضان يأتي أحيانا في أجواء معتدلة وباردة، وحتى لو جاء صيفًا، فالتكييف موجود، لكن علينا إذًا أن نقرأ من جديد ما المقصود بالرمض.
شدة الحر، الحر الذي يجعل الشخص يبحث عن الفيء، الحر الذي يقود من الصحراء،  من البادية،  إلى المدينة،  حر الحجارة، الذي يحرق الأقدام..
رمضان من الرمض الذي مررنا على معانيه الحرفية.
وهو مصدر على وزن فعلان، مثل بركان، ثوران، غليان، وهو مصدر يدل على التقلب،  الحركة،  الاضطراب!رمضان الحقيقي، رمضان المواجهة مع ذاتك، الحرب مع شياطينك، وعلى نقاط ضعفك، بالتأكيد تقلب وحركة واضطراب.
غريب، قالوا  لك دومًا إن رمضان شهر المحبة  والسلام، دعك منهم.
رمضان شهر التقلب والحركة والاضطراب !
نعم : عندما يكون رمضان الحقيقي، رمضان المواجهة مع ذاتك،  الحرب مع شياطينك، وعلى نقاط ضعفك، بالتأكيد تقلب وحركة واضطراب.

رمضان حقا هو الذي تخوض فيه معركة بدر الخاصة بك في الداخل،  وتفتح به مكة في داخلك  أيضًا، ويكون ذلك بمثابة إعداد داخلي لك،  لمعارك وفتوحات لا بد أن تشارك فيها،  تقع في خارجك.
نعم ..
رمضان حرب مع الذات، من أجل فتح الذات، من أجل ذات أفضل.
هذا بالنسبة لمصدر “رمضان” ومعناه بالنسبة لنا، لكن ماذا عن ذلك الحر الشديد الذي التصق بالكلمة حتى لو جاء رمضان في بلاد لا صيف فيها ؟ أو جاء في بلاد معلبة مكيفة ليل نهار ؟!رمضان حقا هو الذي تخوض فيه معركة بدر الخاصة بك في الداخل، وتفتح به مكة في داخلك أيضًا، ويكون ذلك بمثابة إعداد داخلي لك، لمعارك وفتوحات لا بد أن تشارك فيها، تقع في خارجك.
من قال إن هذا الحر مرتبط بحالة الطقس وظروف الجو حصرًا؟، الاشتقاق الأول-الأصلي- جاء من ذلك بالتأكيد، لكن من قال إن المعنى يجب أن يبقى محصورا هناك؟!

مهما بلغت درجة الحرارة في الخارج ، فإن حرارة الاحتراق الداخلي،  المصاحبة لعمليات التحول الكبرى،  تكون أكبر!
رمضان الحقيقي،  الذي هو المواجهة مع الذات في أخطائها وضعفها وأسباب سقوطها،  هو مثل  عملية احتراق داخلية عالية الحرارة.
إنه الوصول بالحرارة لدرجة الانصهار، تنصهر فيها عناصرك ومكوناتك، ويعاد تركيبك وتشكيلك.
بعض المكونات التي كانت فيك ستطفو، في طريقها إلى أن تذهب كما يذهب الزبد،  جفاء.
وبعضها ستترسب، فتصبح أكثر عمقًا، رمضان الحقيقي، فعل انصهار وإعادة تكوين، والانصهار لا بد له من حرارة عالية جدًا،
حد الرمض، حدًا يجعل الحجارة تذوب.
والإشارة إلى كون ذلك الحر كان يقود من البادية إلى الحضر إشارة ملهمة جدا، فذلك الانصهار الرمضاني،  يعيد تركيبك بحيث يعزلك عن فرديتك وعزلتك ومنافيك، ويقودك إلى أن تشارك مع المجموع، في البناء، بناء المجتمع كما يجب أن يكون.والإشارة إلى حرق القدمين في معنى الرمض في لسان العرب أيضا ملهمة، فالطريق إلى الذات الأفضل، الطريق إلى تغييرها وإعادة تشكيلها عملية شاقة طويلة مؤلمة، بالضبط مثل أن تمشي حافيا عاري القدمين، على أرض حارقة السخونة، مفروشة بزجاج مصهور من الحرارة.. هذا الإنصهار الرمضاني يذكرنا حتما بلفظة السائحين.

نتكلم حتما عن رمضان كما يجب أن يكون،  وليس رمضان كما تعودنا أن نعامله،  غسالة للذنوب، محطة عابرة للعودة إلى حياتنا السابقة كما كانت.

والإشارة إلى حرق القدمين في معنى الرمض في لسان العرب أيضا ملهمة، فالطريق إلى الذات الأفضل،  الطريق إلى تغييرها وإعادة تشكيلها عملية شاقة طويلة مؤلمة، بالضبط مثل أن تمشي حافيا عاري القدمين، على أرض حارقة السخونة، مفروشة بزجاج مصهور من الحرارة..
هذا الإنصهار الرمضاني يذكرنا حتما بلفظة السائحين،  التي وردت قرآنيا في أكثر من موضع كما في :
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ التوبة (112)
وقد صح عن بعض الصحابة تفسيرهم  السائحون بالصائمين، و”ساح” تعني جرى في الأرض، مثل ساح الماء إذا جرى في الأرض، فهل الصائم سائح لأن مكوناته تسيح ؟، تنصهر، أم لأنه يسيح بحثا عن ذاته الأقرب إلى ما يجب أن تكون، أم لأنه يسيح في الأرض من أجل جعلها كما يجب أن تكون،  بعد أن أدخله رمضان في دورة مكثفة في جعله هو كما يجب أن يكون؟!
أياً كان، تتداخل المعاني، فيما لا يمكن أن يكون مجرد صدفة.

*د.أحمد خيري العمري

اضافة تعليق