سر ارتباط المصريين بالقرآن في بيوتهم.. نماذج من الماضي تكشف سر العلاقة

الثلاثاء، 28 مايو 2019 09:58 ص
ماذا فعل المصريون بالقرآن في بيوتهم وكيف ارتبطوا به



تعلقت قلوب المصريين بالقرآن منذ قديم الأزل، ومنذ أول يوم دخل فيه الإسلام مصر، فقد كان هو المؤنس والجار والقريب والنور الي يهدي ظلمات بيوتهم، واشتهروا بحبهم الشديد وشغفهم وتعلقهم الوجداني بكتاب الله‏.

وينقل الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" عن الكاتب الصحفي أحمد أمين في كتابه الماتع‏:‏ "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية" الصادر في عام 1953,‏ تحت عنوان تلاوة القرآن: إن من سمات المصريين التي تميزوا بها عن سائر الشعوب ارتباطهم بكتاب الله, فاهتموا بحفظه وعلموه أولادهم, وأنشأوا له الكتاتيب الصغيرة في مختلف أنحاء البلاد فارتبط تعلم القرآن بتعلم القراءة والكتابة, ويقسم الشيخ المحفظ, والذي يلقبه الأطفال (بسيدنا), مهامه بين التحفيظ والمراجعة فيحفظ الطفل ما في استطاعته طوال الأسبوع, ثم يسمع للشيخ ما حفظه في بداية الأسبوع التالي, ويستمر في ذلك حتى يتم القرآن.

وأضاف أن الارتباط امتد بين المصريين وكتاب الله إلى حد اتخاذ تلاوته من قبل البعض حرفة ومهنة يرتزق بها, وقد انتشرت هذه المهنة كما يؤكد أحمد أمين في قاموسه بين فاقدي البصر حتى أصبحت مصدرًا رئيسيًا للرزق لمن يبتليه الله تعالى بفقد حبيبته, فيدعوه الناس إلى منازلهم في أيام الجمع والأعياد والمآتم للقراءة, فإذا كان حسن الصوت اشتهر وذاع صيته, وإذا تدهور به الحال, يجلس ليقرأ في الطرقات والشوارع فيعطف عليه المارة ببعض النقود أو المأكولات. ورغم حالته هذه, إلا أنه يقع في قلب المصريين في منزلة تسمو فوق منزلة المتسولين, باعتباره حافظا للقرآن.

ويعتقد المصريون أن قراءة القرآن في المنازل أو المحال التجارية تجلب البركة والرزق وتبعد الشياطين والأبالسة, واعتاد الأغنياء وأفراد الطبقة المتوسطة إحضار القراء للمنازل طوال ليالي رمضان تبركًا واحتفالاً بالشهر الكريم, ويدعو صاحب المنزل الأصحاب والأقرباء للاستماع للقارئ وشرب المشروعات الساخنة من شاي وقهوة.

وانتشرت هذه العادة أيضًا بين النساء, خاصة في المآتم فظهر جيل من القارئات المصريات مثل الشيخة: كريمة العدلية والشيخة منيرة عبده وغيرهما, وهناك تسجيلات لهن في الإذاعة المصرية التي تم تسجيلها في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين.

 كما اعتادت الشيخة كريمة العدلية إقامة حفل ضخم للإنشاد في الخميس الأول من كل شهر في أحد بيوت أثرياء الأقاليم وكان ذلك في عام 1905, واعتاد حضور هذه الحفلات كبار القراء وهم في مقتبل العمر حينذاك مثل الشيخ علي محمود, ومحمد رفعت, ومحمد الصيفي ومنصور بدار.

وعادة المصريين في المآتم إحضار القارئ ليقرأ ما تيسر من سورة البقرة إذا كان الوقت عصرا, وتلاوة ما تيسر من سورة يونس وهود ويوسف والرعد والنحل والإسراء إذا جن الليل, ويختمون دائما بقصار السور، كما يتم دعوة القارئ لقراءة الآيات أثناء الدفن حتى يواري الميت التراب.

ومن أسباب ذلك حث النساء الحاضرات لعملية الدفن على الامتناع عن العويل والصياح حيث اعتاد المصريون الاستماع بخشوع إلى آيات القرآن متى بدأت التلاوة. ولنفس الأمر اعتاد الإمام في المسجد قراءة ما تيسر من سورة الكهف يوم الجمعة قبل الصلاة ليحث المصلين علي الإسراع للمسجد وعدم التأخر وللجلوس في سكون وتؤدة.

وامتد الأمر للحفلات السياسية الكبيرة, فكان يدعو منظمو الحفل أحد مشاهير القراء ليبدأ الحفل بتلاوة بعض آيات القرآن.

وكان زعيم الأمة سعد زغلول باشا يفعل ذلك أثناء ثورة 1919, فكان يصاحبه في جميع المحافل السياسية الشيخ محمود البربري الذي كان يعرف بمقرئ حزب "الوفد", فلا يبدأ الحزب اجتماعه إلا بقراءة وتلاوة الشيخ محمود, وكان الشيخ محمود يرفض التلحين في التلاوة وكان مغرما بالإعادة فيقرأ لمدة ساعات طويلة عددا قليلا من الآيات.

وعندما تم القبض عليه, طلب سعد من الشيخ منصور بدار أن يحل محله, فلقب بمقرئ الثورة، وقد اعتزل الشيخ بدار التلاوة بعد تأبينه سعد زغلول لمدة سبع ليال متواصلة, ولم يظهر الشيخ بعد ذلك سوى مرتين في الذكرى السنوية الثانية لسعد زغلول سنة 1930, وفي مأتم الملك فؤاد سنة 1936.

اضافة تعليق