إعطاء الزوج الفقير من الزكاة دون إخباره بذلك

الثلاثاء، 28 مايو 2019 09:08 ص
إعطاء الزوج الفقير من الزكاة دون إخباره بذلك


 
قال الدكتور شوقي إبراهيم علام، مفتي مصر، إنه يجوز شرعًا للزوجة أن تدفع زكاة مالها إلى زوجها إن كان فقيرًا مستحقًّا للزكاة؛ سواء علمت أنه سينفق عليها منها أم لا.

غير أنه أكد أن "الزوجة إذا فعلت ذلك، فإنه يجب عليها تمليكها للزوج وإن لم تعلمه أنها زكاة مالها؛ لأن من شروط الزكاة تمليكها لمستحقها، ولأنها حقٌّ خالصٌ لِمَن تُعطَى له؛ بحيث تصير يد الزوج مطلقةَ التصرف فيما مُلِّكَ من هذه الأموال، إلا أن يأذن لها بالتصرف فيها قبل قبضها؛ فيكون بمثابة القبض الحكمي".

وتابع: "فلا يجوز لك الصرف على البيت من مالك الخاص واحتساب ذلك من زكاة مالك المدفوعة للزوج دون أن يتملكها الزوج أولًا ثم ينفق هو منها كما ينفق المرء من مال نفسه".

جاء ذلك في رد على سؤال ورد لموقع دار الإفتاء تقول فيه السائلة: "أنا زوجة لموظف بدرجة مدير عام، وعندي ثلاثة أولاد في الكلية والثانوية العامة والمرحلة الابتدائية، وجميعهم يأخذون دروسًا خصوصية بمبالغ باهظة، بالإضافة إلى أن الابن الذي في الكلية مغترب، وله سكن خاص بالإضافة إلى مصاريف الكلية ومعيشته في الغربة، كل هذه التكاليف الضرورية تجعل دخل زوجي سواء كان مرتبًا أو مكافأة لا تكفي لهذه الاحتياجات الضرورية لتربية الأولاد، وليس لزوجي أي ممتلكات، أما أنا فأملك مبلغًا من المال قدره 100,000 أودعته بدفتر توفير في البنك، وأحصل منه على أرباح لأشتري منها مطالبي الخاصة". 

وتسأل السيدة: "هل يحق لي أن أوجه زكاة المال الخاصة بي للصرف منها على سد العجز الموجود بميزانية زوجي؟ علمًا بأنه في حالة الموافقة سأقوم بالصرف بمعرفتي دون أن أُعْلِم زوجي أنها زكاة مالي منعًا لإحراجه، وأيضًا في حالة عدم الموافقة سأكون مضطرة للصرف من مالي الخاص لسد العجز المذكور في ميزانية زوجي الذي لا يملك إلا مرتبه فقط". 

وأوضح المفتي، أن "من مقاصد الشريعة أنها قدَّمت في أداءِ الزكاةِ كفايةَ قرابةِ المزكِّي على غيرهم، وجعلت لسدِّ حاجةِ ذوي رحمه وعصبته المحتاجين أولويةً في صرفها؛ مراعاةً لصلة الرحم، وضمانًا لاستمرار الترابط الأسريّ والتكافل العائلي والعشائري الذي هو اللبنة الأساس في التكافل المجتمعي:

فبدأ بهم القرآن الكريم في مطلق العطاء؛ فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215]، وجعل لهم حقًّا في مال الواجد؛ فقال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26]، وجعل ذلك علامة الفلاح، وعدَّه الأفضل لمن يريد وجه الله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: 38]، وهذا كلُّه يشمل النفقة الواجبة والمندوبة، ويشمل الزكاة في غير ما تجب فيه النفقة.

قال مجاهد: "سألوه: ما لهم في ذلك؟ ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، قال: ههنا يا ابن آدم فضَعْ كَدْحَك وسَعْيَك، ولا تَنْفَحْ بها ذا وذاك وتَدَع ذوي قرابتك وذوي رحمك".

وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجرَ الزكاة مضاعفًا إذا أعطاها المزكِّي قرابتَه المحتاجين الذين لا تجب نفقتُهم عليه:

فروى الحُمَيْدي والإمام أحمد والدارمي في "مسانيدهم"، والنسائي والترمذي وحسنه وابن ماجه في "سننهم"، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه في "صحاحهم"، عن سلمان بن عامر الضَّبِّي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ».

غير أنه يُشترط في آخذ الزكاة أن لا يكون ممن وجبت نفقته على المزكِّي؛ فقد أجمع الفقهاء على أن من شروط الزكاة أن لا تُعطَى لمن تجب نفقتهم على المزكِّي من أصول أو فروع أو غيرهم؛ لأن دفع الزكاة إلى هؤلاء يغنيهم عن النفقة الواجبة عليه، فيعود نفع الزكاة إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه، إلا أن يكونوا مدينين، فتدفع إليهم حينئذ تحت سهم الغارمين؛ لأنه ليس مطالبًا بسداد ديونهم.

فكل من لم تجب على المزكِّي نفقتُه جاز دفع الزكاة إليه، ويدخل في ذلك إعطاء الزوجة للزوج المحتاج؛ فإن نفقته غير واجبة عليها، بل نفقتها هي التي تجب عليه حتى لو كانت غنية.

بل وردت النصوص الشرعية في مشروعية إعطاء الزوجة زوجها خاصة من الزكاة إذا كان محتاجًا:

فعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصدقة لزوجها والأيتام في حجرها، فقال: «نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» متفق عليه. وبوَّب على ذلك الإمامُ البخاري بقوله: (باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر).

قال الإمام ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (3/ 330، ط. دار المعرفة): [وقال ابن المنير: اعتل مَن منَعها مَن إعطائها زكاتها لزوجها بأنها تعود إليها في النفقة؛ فكأنها ما خرجت عنها. وجوابه: أن احتمال رجوع الصدقة إليها واقع في التطوع أيضًا، ويؤيد المذهب الأول أن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، فلما ذكرت الصدقة ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب فكأنه قال: تجزئ عنكِ؛ فرضًا كان أو تطوعًا] اهـ.

وعن جمرة بنت قحافة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في حجة الوداع: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ»، فأتت زينب رضي الله عنها فقالت: "يا رسول الله! إن زوجي محتاج، فهل يجوز لي أن أعود عليه؟" قال: «نَعَمْ لَكِ أَجْرَانِ» أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير".

وجمهور الفقهاء على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، بل نص الشافعية على استحباب ذلك، خلافًا للإمام أبي حنيفة، ووافقه الإمام مالك في قول، والإمام أحمد في رواية، ووافق صاحباه الجمهور في القول بالجواز:

قال الإمام محمد بن الحسن في "المبسوط" (2/ 149، ط. إدارة القرآن والعلوم الإسلامية): [ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها؛ لأنه يجبر على أن ينفق عليها، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: "لا بأس بأن تعطى المرأة زوجها من زكاتها؛ لأنها لا تجبر على أن تنفق عليه"] اهـ.

وقال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 40، ط. دار الكتب العلمية): [وقال أبو يوسف ومحمد: تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها؛ احتجَّا بما رُوي: "أن امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصدقة على زوجها عبد الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَكِ أَجْرَانِ: أَجْرُ الصَدَقِة، وأَجْرُ الْصَلَة».

ولأبي حنيفة: أن أحد الزوجين ينتفع بمال صاحبه كما ينتفع بمال نفسه عرفًا وعادة، فلا يتكامل معنى التمليك، ولهذا لم يجز للزوج أن يدفع إلى زوجته، وكذا الزوجة] .

وعند المالكية أقوال: فمنهم من كره ذلك، ومنهم من اشترط ألا يستعين بها في النفقة عليها.

اضافة تعليق