الصيام والإسراف لا يلتقيان.. كيف تكبح الشهوة بداخلك؟

الأحد، 26 مايو 2019 10:10 ص
الصيام والإسراف لا يلتقيان


يقول الشيخ الراحل محمد الغزالي، إن الصيام شرعه الله للناس فطامًا لأنفسهم عن شهواتها المألوفة؛ وقهرًا لعاداتها المستحكمة؛ وتدريبًا للإرادة في صراعها مع الغرائز السفلى؛ وإطلاقًا للروحانية الحبيسة في سجن الضرورات المتكرِّرة أبدًا؛ من الغذاء، والكساء.

وأوضح في حديثه عن الصيام، أن الإسلام رفع إشعارَ الإنسان بأصله العريق المنبثق من روح الله، ويريد تحريره من آصار الأرض، ويريد أن يجعل من أيام هذا الشهر المبارك فُرَصًا للتزوُّد من عناصر السمو، ومعاني الطهر، وادِّخار مقدار من ذلك يبقى مع المرء طول السنة، كما تُدَّخَر قوى الكهرباء في مستودعاتها – عندما تملأ بكمية ضخمة – فتظل تضيء وتحرك … حتى إذا فرغت، مُلئت (البطارية) ثانيةً، وهكذا يجيء رمضان فيملأ النفوس خيرًا وتُقًى، كلما ضعفت فيها دوافع البر والتقوى.

وقال الغزالي إن شهر رمضان هو شهر الجهاد النفسي لترويض الحيوان الجامح في دماء الناس وأهوائهم؛ بجوع النهار وسهر الليل، في الوقت الذي ربط فيه الإمام الغزالي بين حقيقة الجهاد في شعيرة الصيام وبين الإفطار على طلقات المدافع، والسحور على دويّ الطبول، موضحا أن كلا الجهادين حقٌّ، جهاد الإنسان ضد شهواته، وجهاده ضد ضلالات الناس.

كيف نرتقي في رمضان؟

صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: آمين، آمين، آمين. فلما نزل سئل عن ذلك فقال: أتاني جبريل فقال: رغِمَ أنفُ من أدرك رمضانَ فلم يغفر له، قل آمين، قلت آمين. ورَغِمَ أنفُ رجل ذكرتَ عنده فلم يصل عليك، قل آمين، فقلت آمين. ورَغِمَ أنفُ رجل أدرك والديه أو أحدَهما فلم يغفر له، أو لا يدخلانه الجنة آمين، قلت آمين.

شهوة الطعام والشراب

ومن معاني الصيام كبح شهوة الطعام والشراب والإسراف فيهما، قال الفقيه المالكي ابن راشد القفصي "حكمة مشروعيته: كسر النفس عن الشهوات، والتشبه بسكان السماوات، وتصفية مرآة العقل".

وأكثر الشهوات التي تشغل الناس وتستبد بهم هي شهوةُ الطعام والشراب، وأكثر عناء الناس ومعاناتهم إنما يكونان بسبب الأكل والشرب وما لهما من متطلبات، وما لهما من آثار ومخلفات. فجُعل الصيام بالدرجة الأولى فرصة لكبح هذه الشهوة وتعديلها وترشيدها. ولكن بعض الصائمين لا يفعلون وقت صومهم سوى استجماع شهوة الأكل والشرب وتحفيزها وشحذها بالمشتريات والإعدادات، ثم إرسالها وإشباعها بما لذ وطاب طيلة وقت الإفطار. 

فمن هنا يصبح استهلاكهم في رمضان أكبر حجمًا وأغلى كلفة مما هو في غير رمضان. وهذا إفساد وتشويه لمقاصد الشرع وحقائقه.

والإفراط في الأكل والشرب كمًا وكيفًا، يُدخل صاحبه ويأخذه في طريق الإسراف والتبذير، وقد وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة، تَنهَى عن الإسراف وتحذر منه بصفة عامة، ثم ورد النهي خاصة عن الإسراف في الأكل والشرب. قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} الأعراف:31.

وفي كتاب اللباس من صحيح البخاري: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مَـخِيلة. وقال ابن عباس: كلْ ما شئت والبسْ ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سَرَف أو مَخيلة”.

وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثُلثٌ لطعامه وثلثٌ لنفَسه). 

فالإسراف في الأكل والشرب ضرر محقق على الصحة والسلامة البدنية، ثم هو ينمي الشَّرَهَ وسوءَ الخلق. ففي اجتنابه صحة بدنية وخُلقية.

وقال بعض السلف: إن قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}جمعَ الطب كله؛ وذلك أن السبب الأول للصحة يكمن في التغذية أكلا وشربا، والسبب الأول للأمراض والعلل يكمن في الإسراف في الأكل والشرب. والآية أمرت بالأول، ونهت عن الثاني.

والإسراف والتبذير عمومًا فيهما ما لا يخفى من إتلافٍ وتضييع للنِّعَم والأموال. ومعلوم أن كل واحد سيُسأل أمام الله سبحانه عن النِّعَم التي وصلت إليه، وكيف تصرف فيها وما ذا عمل بها. قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [سورة التكاثر].

والقرآن الكريم يربط بين الإنفاق على المحتاجين وأداء حقوقهم من جهة، والنهيِ عن الإسراف والتبذير من جهة أخرى، مما يشير إلى أن الإسراف والتبذير إنما يقعان على حساب الإنفاق الواجب، وعلى حساب المحتاجين المستحقين للعطاء، وأن التبذير والإسراف من أسباب تضييع حقوق المساكين والمحتاجين.

قال الله تعالى : {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26، 27].

اضافة تعليق