صاحب الخلق السيء في النار وإن كان صوامًا قوامًا

الخميس، 23 مايو 2019 11:52 م
صاحب الخلق السىء لا تنفعه عبادته ولا تثقل ميزانه
صاحب الخلق السىء لا تنفعه عبادته ولا تثقل ميزانه

الالتزام الشكلي أو المظهري بالدين قد يعد شكلاً من أشكال الرياء ونوعًا من أنواع النفاق، طالما انه لا يتفق ولا يتطابق او يتشابه مع جوهر صاحبه، فبعض المنتسبين إلى الدين ? قد يستسهلون أداء العبادات المطلوبة ويظهرون فى المجتمع العام بالحرص على إقامتها وهم فى الوقت نفسه يرتكبون أعمالا تتعارض مع الخلق الكريم والإيمان الحق.

ربما قدر الطفل على محاكاة أفعال الصلاة وترديد كلماتها.. ربما تمكن الممثل من إظهار الخضوع وتصنع أهم المناسك.. كن هذا وذاك لا يغنيان شيئا عن سلامة اليقين ? ونبالة المقصد.

 والحكم على مقدار الفضل وروعة السلوك يرجع إلى مسار لا يخطئ ? وهو الخلق العالى! وفى هذا ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: يا رسول الله ? إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذى جيرانها بلسانها. فقال: "هى فى النار". ثم قال: يا رسول الله فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها ? وأنها تتصدق "بالأثوار من الأقط " بالقطع من العجين ولا تؤذى جيرانها. قال: "هى فى الجنة" !.

في هذه الإجابة تقدير لقيمة الخلق العالي، وفيها كذلك تنويه بأن الصدقة عبادة اجتماعية ? يتعدى نفعها إلى الغير ? ولذلك لم يفترض التقلل منها كما افترض التقلل من الصلاة والصيام ? وهى عبادات شخصية في ظاهرها.

 إن رسول الإسلام لم يكتف بإجابة على سؤال عارض ? في الإبانة عن ارتباط الخلق بالإيمان الحق ? وارتباطه بالعبادة الصحيحة ? وجعله أساس الصلاح في الدنيا والنجاة فى الأخرى. إن أمر الخلق أهم من ذلك ? ولابد من إرشاد متصل ? ونصائح متتابعة ليرسخ فى الأفئدة والأفكار ? إن الإيمان والصلاح والأخلاق ? عناصر متلازمة متماسكة ? لا يستطيع أحد تمزيق عراها.

لقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما : "أتدرون من المفلس؟! قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ? فقال: المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ? ويأتى وقد شتم هذا ? وقذف هذا ? وأكل مال هذا ? وسفك دم هذا ? وضرب هذا ? فيُعطى هذا من حسناته ? وهذا من حسناته ? فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ? أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ? ثم طرح فى النار".

ذلك هو المفلس : إنه كتاجر يملك فى محله بضائع بألف ? وعليه ديون قدرها ألفان ? كيف يُعد هذا المسكين غنيا؟ والمتدين الذى يباشر بعض العبادات ? ويبقى بعدها بادى الشر ? كالح الوجه ? قريب العدوان كيف يحسب امرءا تقيا؟.

فإذا نمت الرذائل فى النفس ? وفشا ضررها ? وتفاقم خطرها ? انسلخ المرء من دينه كما ينسلخ العريان من ثيابه ? وأصبح ادعاؤه للإيمان زورا ? فما قيمة دين بلا خلق؟!! وما معنى الإفساد مع الانتساب لله؟!! وتقريرا لهذه المبادئ الواضحة فى صلة الإيمان بالخلق القويم ? يقول النبى الكريم صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه فهو منافق ? وإن صام وصلى وحج واعتمر ? وقال إنى مسلم : إذا حدث كذب ? وإذا وعد أخلف ? وإذا أؤتمن خان " .

 وقال فى رواية أخرى: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب ? وإذا وعد أخلف ? وإذا عاهد غدر ? وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم "! . وقال كذلك: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ? ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان ? وإذا حدث كذب ? وإذا عاهد غدر ? وإذا خاصم فجر".

وروى أحمد وغيره أن رجلا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جلس بين يديه فقال: "يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأسبهم فكيف أنا منهم؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحسب ما خانوك وعصوك وما كذبوك وعقابك إياهم، فإن كان دون ذنوبهم كان فضلا لك عليهم وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك.
فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتف، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما له ما يقرأ كتاب الله (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)؛ فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء يعني عبيده، إني أشهدك أنهم أحرار كلهم ...
والسبب في كونه صاحب الخلق السيئ يسير على خطى النار أن تدينه أولا تدين مغشوش، يأتي من الدين أسهله، ويرسب أمام المحك العملي، وأيضا أنه يحرث في البحر، فيجمع الحسنات، ثم يبددها بسوء خلقه كما بين حديث المفلس.

اضافة تعليق