د. عمرو خالد يكتب: قصة السموات السبع من منظور القرآن والعلم

السبت، 25 مايو 2019 04:45 م
اسليدر-د-عمرو

الانفجار العظيم (Big Bang)، إحدى أهم نظريات نشأة الكون، ظهرت في العشرينيات من القرن الماضي، واستغرق بناؤها أكثر من أربعة عقود، وتحظى بقبول واسع بين العلماء، بعدما ثبت علميًا أن الكون في حالة تمدد مستمر، وأن المجرات في حالة تباعد مستمر عن بعضها البعض.

هذه النظرية تقوم على أن هناك سبع مناطق في الفضاء (Space eras ) كل واحدة منها قامت بدور معين خلال فترة زمنية محددة، قامت بدورها في خلق الكون، ولم تختف منذ لحظة بدء الانفجار العظيم إلى الآن. 

وعقب الانفجار العظيم مباشرة، تحررت طاقة ومادة هائلة انتشرت في أرجاء الكون مع الضوء، مكونة منطقة بالفضاء، سميت بمنطقة "فلاش البيج بانج"، ولا تزال منذ 13.8 مليار سنة، ضوءها موجودًا، يملأ الكون كله بانتظام وبتناسق عجيب، أطلق عليها العلماء اسم ( great flash era أوcosmic microwave background ، وتعني بالعربية "إشعاع الخلفية الكوني الميكروني، وهذه هي أول منطقة".

 

بعد ذلك، دخل الكون في عصر مظلم، أطلق عليها اسم منطقة "العصر المظلم"، ومن ثم تكونت منطقة تشكيل أول نجوم في الفضاء، وأطلق عليها العلماء اسم "منطقه تشكيل أول نجم"، تلتها المنطقة الرابعة، وأطلق عليها العلماء اسم منطقة "إعادة التأين"، أو منطقة "تشكل البنية".

 

تلا ذلك المنطقة التي تشكلت فيها، وتكونت فيها المجرات البدائية، وأطلق عليها العلماء اسم منطقة المجرات البدائية (Proto-galaxies era )، تلتها المنطقة السادسة، التي تشكلت فيها المجرات التي نعرفها، وأطلق عليها العلماء اسم منطقة المجرات أو (galaxies era)، انتهاءً بالمنطقة السابعة، وهي أقرب منطقة إلينا، المجموعة الشمسية أو (Solar System  )، وهى المنطقة التي بها الكواكب والمصابيح التي خلقها  لنا الله الشمس والقمر.

 

وتشكل الكون على مدار ما يقرب من 14 مليار سنة.. أبعدها عنا منطقة (great flash era أوcosmic microwave background)، أو بالعربية: "إشعاع الخلفية الكوني الميكروني وعمرها يقارب 14 مليار سنة، وأقربها إلينا منطقة الكواكب والشمس والقمر، وعمرها ما يقارب 4 مليارات سنة فقط، ويمكنك ترى المناطق المذكورة بالتلسكوب.

 

كل منطقة حدث فيها أمر ما كان له دور في عملية خلق الكون، فهذه حدث فيها تكوين للضوء والمادة، وأخرى حدث فيها اتحاد بين الضوء والمادة، وثالثة حدث فيها انفصال بين الضوء والمادة، ورابعة حدث فيها استجابة الذرات للجاذبية، وخامسة حدث فيها تكوين لأول نجوم، وسادسة حدث فيها إعادة تأين، أو تشكل البينة، وسابعة حدث فيها تكوين لكل أنواع المجرات التي نعرفها.
عندما تنظر إلى السماء من خلال "تليسكوب" سترى أولاً المجموعة الشمسية، وفيها الشمس والقمر والكواكب، وراءها بقليل منطقة المجرات galaxies era، تليها منطقة المجرات البدائيةProto-galaxies era ، أي المجرات الصغيرة عندما كانت تتكون كي تصبح مجرات كبيرة، ثم منطقة تشكل البنية، أو إعادة التأين Re-Ionization era ، ثم منطقة تشكيل أول نجوم First Stars Era ، ثم منطقة كبيرة من السماء مظلمة تسمى منطقة العصر المظلم Dark Edge Era .

 

وبعد كل هذه المناطق سترى في الخلفية المنطقة الأخيرة، والمسماة بمنطقة الفلاش الأعظم أو great flash era أوcosmic microwave background أو بالعربية: "إشعاع الخلفية الكوني الميكروني"، فنهاية رؤية التلسكوب هي لحظة البداية قبل ما يقارب الـ 14 مليار سنة، حين تشكل الكون. 

 

ولو تأملنا في القران سنجده يقول في سورة فصلت: "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا  ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ"، بما يوضح أن قصة خلق الكون هي قصة سبع مناطق في الفضاء، وأن كل منطقة قامت بدور معين في خلق الكون.

 

والآية تقول: "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ"، والمقصود المجموعة الشمسية، الموجودة في "السماء الدنيا"، وهو ما جاء في سورة الملك أيضًا: "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ".. فكيف عرف النبي عليه الصلاة والسلام  منذ 1400 سنة أن أقرب سماء إلينا (السماء الدنيا) هي السماء التي توجد فيها الكواكب والمجموعة الشمسية؟

 

هناك صورة شهيرة جدًا في علم الفيزياء لعمر الكون، تسمى التسلسل الزمني لنشأة الكون أوThe Universe TimeLine  توضح أن عمر الكون حوالي 13.8 أو 14 مليار سنة تكونت الأرض فيها عندما كان عمر الكون حوالي 9 مليارات سنة، أي عند ثلثي عمر الكون، بعد ذلك، دخل الفضاء في مرحلة توسع تسمى التوسع المحفزaccelerated expansion ، كي يمنع أي أجسام فضائية أخرى من أن تتكون بشكل عشوائي بفعل الجاذبية. 

 

القرآن يوضح أن الأرض تكونت عند ثلثي عمر الكون، بعد أربعة أيام من إجمالي ستة أيام، وأنه بعد ذلك استمرت السماء في الزيادة والتوسع، "وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ* ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".

 

وبهذا يخبرنا القرآن الكريم، أنه بعدما تكونت الأرض عند ثلثي عمر الكون زاد الله السموات وأكملها سبعة، "فقضاهن سبعة". 

 

وكالة "ناسا" تقول إن الكون الذي نعيش فيه فضاؤه مستوٍ، وأطلق عليه مصطلح "فلات" Flat Universe.. كذلك أخبرنا القرآن الكريم أن الكون الذي نعيش فيه فضاؤه مستوٍ، "فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"، "فسواهن"، فالأرض كروية لكن الكون فضاؤه مستوٍ.

 

أثبت علماء الفيزياء وفيزياء الفلك بالمشاهدة والتحليل، أن الكون الذي نعيش فيه "متجانس".. بالنظر إلى الفضاء بتلسكوبات مختلفة، وملاحظة أن ضوء أبعد منطقة في الفضاء أي ضوء منطقة الفلاش الأعظم great flash era أوcosmic microwave background، أو بالعربي "إشعاع الخلفية الكوني الميكروني".

 

إذ أن الإشعاع يتوزع بشكل متجانس منذ ما يقرب من 14 مليار سنة في كل السماوات السبعة كاملة، لدرجة أن العلماء أطلقوا عليه اسم خلفية الكون، كأنك ترى لوحة لفنان وقد وضع لها خلفية متجانسةBackground ، وهي أول منطقة تكونت في الفضاء، أشعتها وضوؤها تتوزع بتجانس شديد في كل مناطق الفضاء، أي أن كلها لها خلفية واحدة.

 

القرآن الكريم طلب منا أن نفعل الطريقة نفسها تمامًا لكي نكتشف تجانس الكون الذي نعيش فيه، بتدقيق النظر إلى مناطق الفضاء المختلفة، كي نلاحظ تجانس وتناسق وعدم تفاوت الكون الذي نعيش فيه، "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا  مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ"، انظر إلى السموات السبع ستجدها طباقًا بلا تفاوت، بخلفية واحدة، أي  Background، عمر الواحد منها يقدر بحوالي 14 مليار سنة وهو عمر الكون الذي نعيش فيه.

 

هل تعلم ماذا يعني أن الكون في تجانس أو Uniformity بالنسبة لعلماء الفيزياء؟.. مثلما قالوا إن أي نقطتين في الكون بعيدتان جدًا عن بعضهما للدرجة التي يصعب عليك جدًا أن تتوقع أنهما من الممكن أصلًا أن يكونا قد تقابلا مع بعضهما في أي مرحلة في تاريخ نشأة الكون، تجدهما متطابقتين تمامًا، أي بهما توزيع أشعة الكون الخلفية نفسها المسماة بـ cosmic microwave background.. ودرجة الحرارة نفسها أيضًا.

 

تجانس الكون الدقيق دفع علماء الفيزياء إلى أن يضيفوا تعديلًا بسيطًا لنظرية الانفجار العظيم، حيث أجمعوا على أن التجانس الذي يصل إلى حد التطابق بين أي نقطتين فيه، في غاية البعد عن بعضهما، لا يوجد له سوى معنى واحد فقط، وهو أن هاتين النقطتين أيًا كانتا واللتين تراهما الآن في أقاصي الكون لابد وأنهما كانا في حالة تلامس وتلاحم مع بعضهما في بداية نشأة الكون.

 

وبذلك أجمعوا على أن هذا الكون كان قطعة واحدة متلاحمة قبل أن يتوسع وينفصل في صورة مناطق الفضاء المتتابعة التي تحدثنا عنها، أو السموات السبع. 

وقد أضاف علماء الفيزياء نظرية التضخم الكوني cosmic inflation – التي أول منأسس لها العالم الفيزيائى الشهير آلان جوس - إلى نظرية الانفجار العظيم، حيث إنه وببساطة شديدة تجزم النظرية الأولى بحدوث تضخم إيجابي في بدايات نشأة الكون أدى إلى فصل الكونWidely separated  من كونه قطعة واحدة متلاحمة إلى صورة مناطق الفضاء المنفصلة والمتتابعة التي نراها الآن، وذلك بالتوازي مع التوسع المستمر والذي مازال مستمرًا حتى الآن "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ". 

القرآن الكريم أيضًا يقول ذلك؟.. إن كل السماوات ومناطق الفضاء كانت كلها متلامسة ومتلاحمة في قطعة واحدة، ثم فصلها الله بعد ذلك، "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوآ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا"، أي قطعة واحدة وهي بفضل الله الآن انفصلت أو تفتقت widely separated إلى سبع سماوات تمامًا مثلما قال العلم.. 

ماذا عن الأرض إذن؟

في البداية كانت كلها كتلة صخرية واحدة، ما على سطحها هو ما في باطنها ومركزها، بعد ذلك دخلت في عملية فصل أو فتق أيضًا Planetary differentiation is a separation process... انفصلت إلى طبقات ومناطق على حسب الكثافة من السطح الخارجي إلى الباطن الداخلي، فأصبحت قشرة الأرض هي الأقل كثافة وباطن الأرض هو الأعلى كثافة، وما بينهما مناطق أو طبقات متدرجة في الكثافة.

وأطلق العلماء على هذه المرحلة من مراحل نشأة الأرض اسم الفصل الكوكبي Planetary differentiation.. أي أن الأرض انفصلت أوتفتقت إلى مناطق مختلفة، وهناك كتب تقول إن الأرض أيضًا سبع طبقات، وهناك من تقول ستة، وهناك من يقول أقل وهناك من يقول أكثر، لكن القرآن قال سبعة: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ"، كانت كلها متلاحمة مع بعضها في قطعة واحدة، ثم فصلت عن بعضها، مثلما قال العلماء في نظرية  Planetary differentiation أو التمييز أو الفصل الكوكبي.   

اضافة تعليق