Advertisements

كيف كانت النصيحة بين" التابعين"؟.. رسالة "عالمين" تكشف التفاصيل

الخميس، 23 مايو 2019 02:58 ص
التابعين

كان الإمام الزهري صديقا لأبي حازم سلمة بن دينار، والذي كان رمزًا للورع والتقوى في عصر التابعين، وقد كان الزهري مقربًا من سلاطين بني أمية، يستفتونه ويقربونه، مع كامل ووافر علمه، ولكن وقعت بينه وبين صديقه أبي حازم وحشة لأجل هذا السبب.

 فكتب إليه أبو حازم: "عافانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار، قد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك، أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم الله عليك بما أصح من بدنك وأطال من عمرك، وعلمت حجج الله بما حملك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وفهمك من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ابتلى في ذلك شكرك، وقال: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد".

فانظر أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه إليك كيف رعيتها؟ ، وعن حججه عليك كيف قضيتها؟ ولا تحسبن الله راضيا منك بالتعذير ولا قابلا منك بالتقصير، ليس كذاك أخذ على العلماء في كتابه فقال: "لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم".

ويعتب أبو حازم على الزهري بصحبته لسلطان بني أمية قائلاً: " تقول: إنك جدل ماهر عالم، قد جادلت الناس فجادلتهم إدلالا منك بفهمك واقتدارا برأيك، فأين تذهب عن قول الله تعالى: "هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً".

وتابع قائلاً في نصيحته: "اعلم أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت أن آنست الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت وإجابتك حين دعيت، فما أخلقك أن ينوه بإثمك غدا على الجرمة وأن تسأل عما أردت بإغضائك عن ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك، ودنوت ممن لا يريد حقا ولا يريد باطلا حين أدناك، وأجبت من أراد التدليس بدعائه إياك حين دعاك، جعلوك قطبا تدور عليه رحا باطلهم، وجسرا يعبرون بك إلى بلابلهم، وسلما إلى ضلالتهم، يقتادون بك قلوب الجهال، ويدخلون بك الشك على العلماء، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من استصلاح فسادهم، واجتلاب الخاصة والعامة إليهم، فما أيسر ما عمّروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسئول، وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيرا وكبيرا واستحملك كتابه وأودعك علمه، مالك لا تنتبه من نعستك ولا تستقيل من عثرتك، وما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله تعالى: "فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى".

واستطرد في رسالته: إلا إنك لست في دار مقام قد أذنت بالرحيل فبقاء المرء بعد أقرانه، يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده، إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، وإثقالك ظهرك لغيرك، ذهبت اللذة وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسب غيره، إنك تعامل من لا يجهل، الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر , وداو دينك فقد دخله سقم.

 واعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله على أيدي أوليائه لأوليائه الخامل ذكرهم، الخافية شخوصهم.

ولقد جاء نعتهم على لسان رسوله: "إن الله يحب الأخفياء، الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا فلم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة".

فهؤلاء الذين قال الله عز وجل: "أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون".

أما الجاه الثاني: جاه يجريه الله على أيدي أعدائه لأوليائه، ويقذفه في قلوبهم فيعظمهم الناس بتعظيم أولئك لهم، ويرغب الناس مما في أيديهم لرغبة أولئك إليهم: "أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون".

يقول أبو حازم للزهري: فما أخوفني أن تكون ممن عاش مستورا عليه في دينه، مقتورًا عليه في رزقه، معزولة عنه البلايا، مصروفة عنه الفتن، في عنفوان شبابه، وظهور جلده وكمال شهوته، فعني بذلك دهره حتى إذا كبرت سنه ورق عظمه وضعفت قوته، وانقطعت شهوته، فتحت الدنيا عليه شر مفتوح فلزمته تبعتها، وعلقته فتنتها وأغشت عينيه زهرتها، وصفت لغيره منفعتها، فسبحان الله، ما أبين هذا الغبن، وأخس هذا الأمر.

اضافة تعليق