اجعل المشيئة في كل أمرك.. وتعلم هذا الدرس من نبي الله سليمان

الثلاثاء، 21 مايو 2019 02:33 م
أقدم على هذا الفعل دون أن يذكرها




يقول الله تعالى في سورة الكهف: "وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا (24)".

تقديم المشيئة الإلهية على الفعل سلوك وإرشاد رباني ونبوي إلى الأدب فيما إذا عزم الإنسان على شيء ليفعله في المستقبل، أن يرد ذلك إلى مشيئة الله - عز وجل - علام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

وقد أورد النبي صلى الله عليه وسلم، قصة نبي الله سليمان في هذا السلوك الذي أرشد إليه ربنا سبحانه وتعالى.

فعن أبي هريرة رضي الله عن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قال سليمان بن داود عليهما السلام : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية : تسعين امرأة . وفي رواية : مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله ، فقيل له - وفي رواية : فقال له الملك - قل : إن شاء الله . فلم يقل فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو قال: "إن شاء الله" لم يحنث، وكان دركًا لحاجته"، وفي رواية: "ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون".

وسليمان عليه السلام نبيٌّ مرسل، ومَلِك صالح، مكّن الله سبحانه وتعالى له في الأرض، ووهب له سلطاناً  راسخ الأركان، وقد زاد على ملوك الأرض فسخّر الله له من عوالم الجنّ والطير والريح وغيرها من العوالم التي لم تُسخّر لأحد من قبله ولا من بعده.

وكلّ هذه العظمة في الملك والأبّهة في السلطان، لم تكن مجرّد متعةٍ دنيوية أو رغبة شخصيّة، بل كانت لهدفٍ سامٍ وغايةٍ نبيلة، يتمكّن بها من إنفاذ أحكام الله وإعلاء كلمته، والجهاد في سبيله ، ونشر الحق في ربوع الأرض.

وما حدث أن سليمان عليه السلام أقسم في يوم من الأيام، أن يمرّ على مائة من نسائه في ليلة واحدة، لكي تحمل كل واحدة منهنّ وتأتي بولد، ويقوم بتربيتهم على معاني الرجولة والفتوّة ، فيصبحوا فرسانًا يقاتلون في سبيل الله .

وبينما هو يحدّث نفسه بما عزم عليه، وصلت كلماته إلى أحد المقرّبين إليه، فنبّهه على أن يقو : "إن شاء الله"، ويبدو أن سليمان عليه السلام نسي أن يقولها في غمرة انشغاله بأموره وأحوال مملكته، ولم يتجاهلها كبرًا أو غرورًا بملكه.

وشاء الله عز وجل ألا تحمل أي امرأة من نسائه سوى واحدة ، ولدت له – بعد طول انتظار منه – بسقطٍ غير مكتمل الخلقة.

ويعلق النبي صلى الله عليه وسلم على هذه القصة العظيمة بالقسم على أنه لو قُدّر لسليمان عليه السلام أن يقول تلك الكلمات ، لتحقّق له مراده ، ولقرّت عينه برؤية ذرّيته في صفوف الجهاد.

ماذا نستفيد من القصة؟

استحوذت القصة الكريمة على العبر العظيمة، ما يستدعي الوقوف عندها ، وتسليط الضوء عليها ، وأوّل الدروس التي نتعلّمها هنا هي ضرورة تفويض الأمور إلى الله تعالى تفويضاً قلبيّاً يتبعه اللسان ويصدّقه ، والقرآن الكريم يوجّه النظر إلى ذلك كما في قوله تعالى : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 – 24 ) .

والنبي صلى الله عليه وسلم خلال حياته ربّي الصحابة على هذه الأخلاق، ونلمسها في قوله : ( لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ) رواه النسائي في السنن الكبرى ، وقوله : ( والله لأغزون قريشا إن شاء الله ) رواه الترمذي ، وقوله عن المدينة : ( لا يدخلها الطاعون ولا الدجال إن شاء الله ) رواه الترمذي ، وقوله عند حصار الطائف : ( إنا قافلون غدا إن شاء الله ) رواه البخاري ، وقوله في غزوة تبوك : ( إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك ) رواه مسلم .

ومن العبرة سمو المقصد في حال الرغبة في إنجاب الذرّية ، فالصالحون يريدون لأولادهم أن يكونوا قادة وعلماء ، ومجاهدين ودعاة ، ليخدموا هذا الدين ، وينشروا تعاليمه ، ويعملوا بمقتضاه .

والإنسان قد يبذل جميع الأسباب لتحقيق مراده، ومع ذلك تتخلّف النتائج ويجري القدر على خلاف مقصوده ، وذلك محض تقديرٍ من الحكيم العليم ، والإنسان لا يدري موضع مصلحته .

وإتباع اليمين بقول "إن شاء الله" يسقط الكفارة عند عدم فعل ما تمّ الحلف عليه، كما قال – صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين فقال : إن شاء الله ، فهو بالخيار ، إن شاء أمضى ، وإن شاء ترك ) رواه النسائي ، ومن ذلك جواز الاستثناء بعد اليمين – وهو أن يقول بعد يمينه " إن شاء الله" إن كان الفاصل بينهما قصيرصا.

اضافة تعليق