صائم ويسب الدين.. كيف انقلب على المقصد الحقيقي للصيام؟

الأحد، 19 مايو 2019 02:46 م
أفضل العبادة انتظار الفرج


قد تصاب بالدهشة والروع من هول ما تجد في الشارع وأنت تسير حينما تسمع أحدهم يسب الدين ويتلفظ بأحط الألفاظ ثم يبرر جريمته بأنه صائم، هؤلاء لا يدركون المعنى الحقيقي للصوم الذي يمنع فيه الله تعالى عن الإنسان الحلال، وهو الطعام والشراب، فليكن من باب أولى امتناعك عن الحرام، إلا أن هناك من يرتكب الفعل الحرام مبررًا ذلك بالصيام، ليشوهوا المعنى والمقصد الحقيقي من هذه العبادة الربانية التي جعلها الله سبحانه وتعالى سرًا بين العبد وربه.

فلسفة الصوم 

يقول الشيخ الراحل محمد الغزالي إن الصيام عبادة مستغربة أو منكورة في جوِّ الحضارة المادية التي تسود العالم. إنَّها حضارة تؤمن بالجسد، ولا تؤمن بالروح، وتؤمن بالحياة العاجلة، ولا تكترث باليوم الآخر! ومن ثمَّ فهي تكره عبادةً تُقيِّد الشهوات ولو إلى حين، وتؤدِّب هذا البدن المدلَّل، وتلزمه مثلاً أعلى.

يضيف:"كان لي صديق يكثر من التدخين، نظرت له يومًا في أسف، ثم سمعني وأنا أدعو الله له أن يعافيه من هذا البلاء، فقال- رحمه الله، فقد أدركته الوفاة – (اللهم لا تستجب ولا تحرمني من لذة "السيجارة"). ولم أكن أعرف أن للتدخين عند أصحابه هذه اللذة، فسكتُّ، وقد عقدت لساني دهشة. إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعرف ما يضرُّه، ويقبل عليه برغبة... إنها الرغبة القاتلة!!".

وأوضح أن من أدب الصيام: إنَّه يردُّ النفس إلى القليل الكافي، ويصدُّها عن الكثير المؤذى! ذاك يوم نصوم حقًّا، ولا يكون الامتناع المؤقت وسيلة إلى التهام مقادير أكبر، كما يفعل سواد الناس!!، مشيرًا إلى أهم ثمرات الصوم إيتاء القدرة على الحياة مع الحرمان في صورة ما.

وتابع الغزالي: "كنت أرمق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسأل أهل بيته في الصباح، أثمَّ ما يفطر به؟ فيقال: لا! فينوي الصيام، ويستقبل يومه كأنَّ شيئًا لم يحدث...ويذهب فيلقى الوفود ببشاشة، ويبتُّ في القضايا، وليس في صفاء نفسه غيمة واحدة، وينتظر بثقة تامة رزق ربه دونما ريبة، ولسان حاله: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح : 5 ، 6[

وأضاف "إنها لعظمة نفسية جديرة بالإكبار أن يواجه المرء البأساء والضراء مكتمل الرشد، باسم الثغر. والأفراد والجماعات تقدر على ذلك لو شاءت! وأعتقد أن من أسباب غلب العرب في الفتوح الأولى قلة الشهوات التي يخضعون لها، أو قلة العادات التي تعجز عن العمل إن لم تتوافر، فكان يضع الواحد منهم تمرات في جيبه، وينطلق إلى الميدان، أما جنود فارس والروم فإنَّ العربات المشحونة بالأطعمة كانت وراءهم، وإلَّا توقَّفوا.

شريعة الصوم 

ويلفت الغزالي إلى الأزمات الحادة التي تجتاح الناس بين الحين والحين، فتقشعرُّ منها البلاد، ويجفُّ الزرع والضرع، ما عساهم يفعلون؟ إنهم يصبرون مرغمين، أو يصومون كارهين، وملء أفئدتهم السخط والضيق. 

وربط التعب بأجر الآخرة هو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، فكلمتي (إيماناً واحتساباً) تعنيان جهداً لا يُستعجل أجره، ولا يُطلب اليوم ثمنه؛ لأنَّ باذله قرَّر حين بذله أن يُجعل ضمن مدخراته عند ربه.. نازلاً عند قوله: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} [النبأ : 39[

وسوف يجد الصائم مفطرين لا يعرفون للشهر حرمة، ولا لصيامه حكمة، إذا اشتهوا طعامًا أكلوا، وإذا شاقهم شراب أكرعوا.. ماذا يجدون يوم اللقاء؟ إنهم سوف يجدون أصحاب المدَّخرات في أفق آخر، مفعم بالنعمة والمتاع، ويحدثنا القرآن الكريم عمن أضاعوا مستقبلهم فيقول: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف : 50 ، 51].

مقاصد الصيام 
يقول الدكتور مجدي شلش أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الأزهر، إن الله غني عن تعذيبنا في الدنيا بالتكليف، وفي الآخرة بناره وعقابه قال تعالى: " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم..." وفي التكليف بالأمر والنهي ما أراد إلا مصلحتنا، من جلب منفعة لنا أو دفع مضرة عنا، قال تعالي: " يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا " .
وأضاف شلش أن الدين مبني علي مصلحة الإنسان فى العاجل والآجل، وجاء هذا المعني في فريضة الصيام التي ظاهرها المشقة والتعب والامتناع عن المباحات في وقت النهار من شهر رمضان، فقال سبحانه: " ... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر..." واليسر والعسر قد يفهمه الإنسان على صورة محبوبة له من تناول الطعام والشراب وما يحب ويشتهي فهذا هو اليسر في نظره، وأما العسر في الشدة والعنت بالبعد عن الملذات والطيبات المباحة، لكن الله سبحانه الأعلم بعباده جعل من صور اليسر الامتناع عن المباحات، ليس عسرا عليهم لكن رحمة بهم من جوانب عديدة، منها:
وأكد أن هذا الامتناع يحقق التقوى، وتحقيق التقوي بالعبادة أمر مشروع، قال تعالى: " ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " فلا يمكن أن تتحقق التقوي في نفس الإنسان بلا عبادة وطاعة، سواء أكانت هذه العبادة صلاة أو صيام أو زكاة أو حج، فتقوي النفوس مرهون بالخضوع والخشوع والاستسلام لله وحده.
ومن المستحيل أن يعيش الإنسان حياة طيبة في الدنيا بلا تقوي، فتقوي الله ثمرتها في الدنيا الفلاح والسعادة والبشرى، وفي الآخرة جنات ونعيم ومقام أمين، قال تعالى: " إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر " وقال سبحانه: " إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون إنا كذلك نجزي المحسنين" وقال جل شأنه: " إن المتقين في مقام أمين فى جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بفاكهة آمنين ...".

فثمرة التقوي في الدنيا والآخرة متوقفة على الامتناع الذي أمر الله به، وهو اليسر الحقيقي - وإن كان فيه بعض مشقة - الذي يحقق المصلحة للإنسان في العاجل والآجل.

ولفظ التقوي في القرآن من الألفاظ المشتركة التي لها معان كثيرة، منها الإخلاص وكلمة التوحيد وطاعة الله وترك عصيانه، لكن سياق الصيام الذي فيه معني الإمساك يعطي للتقوي معني جديدا ألا وهو مجاهدة النفس، فالصيام فيه ترك للمألوف من المحبوب، وقد تكون المدامة علي ذلك المحبوب ذريعة لنسيان المعطى، فتأتي صفة المانع كي تذكر المسلم ولو لوقت قصير أنه سبحانه وتعالى هو المانح لهذه المحبوبات، فحبها ليس لذاتها وإنما بجعل الله لها كونها من المحبوبات والمباحات.

هذا جانب، وهناك جانب آخر للمجاهدة وهوتكامل الشبع لغرائز الجسم كلها، فالجسم به غرائز كثيرة، بعضها يشبع منه الجسم طول العام ويأخذ منه نهمته ومتطلبه، وبعضه قد يقصر الإنسان في إعطاء حقه من الشبع والامتلاء كغريزة امتلاك الإرادة والعزيمة وحب الحرية من أي أسر حتى ولو كان طعاما أو شرابا أو لذة.

كما أن الصيام فيه تعويد الإنسان على الكمال والإحسان اللذين هما من أعلى المراتب، بعد تمام حقيقة الإيمان والإسلام، فالإحسان والكمال والإتقان في صنع وجودة الأشياء شريعة وشعيرة وفريضة، فالصيام كما قال الله تعالى: " أياما معدودات..." الكثير منا يصوم، لكن الصوم المطلوب هو الصوم الذي يتسم بسمة الكمال لا بسمة إتمام العدد فحسب، وهذا ما قاله الله سبحانه وتعالى: " ...ولتكملوا العدة..." فلو كان المطلوب الصيام على أي وجه كان لقال: وللتمموا العدة، فالتمام يكون فى الأعداد، لكنه قال : " ولتكملوا ..." والكمال إنما يكون في الصفات والطبيعة والحقيقة والجودة، فحقيقة الصيام لا بد أن تكون كاملة من حيث الصفة وتامة من حيث العدد.

ومن هنا نتعلم أن الصوم المطلوب هو: المحقق للتقوى بمعني الإخلاص والمجاهدة، وليس مجرد تركا في مدة معلومة، ولذا جاء حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه" القضية ليست تركا للطعام أو للذة بلا حقيقة التقوي والمجاهدة.

اضافة تعليق