من رفعت إلى الحصري وعبدالباسط والمنشاوي.. نجوم تربعوا على عرش دولة التلاوة

السبت، 18 مايو 2019 12:44 م
قراء القرآن الكريم في مصر بعيون كبار الكتاب



يلتف الصائمون في حلقات المساجد لقراءة القرآن الكريم، فهي من العادات المحببة إلى المصريين وتتوهج هذه العادة في شهر رمضان الكريم‏,‏ والمقارئ جزء لا يتجزأ من التراث المصري‏,‏ حيث قالوا قديمًا: إن القرآن نزل في مكة, وطبع في إسطنبول, وقرئ في مصر.

وتتميز مدرسة التلاوة المصرية بعدد لا حصر له من القراء أصحاب الأصوات المميزة التي جمعت بين حلاوة الصوت, والتمكن من الأداء, والحفظ التام للقرآن, والدراسة الدقيقة لفن التجويد من إدغام وإظهار وتنوين ومد وغيرها من أحكام التلاوة. 

ووصف شيخ مشايخ كردستان في كتابه (أفضل قراء القرآن) القراء المصريين بأنهم يجتازون عتبات الأذن ليصلوا بالمتلقي إلى قمة النشوة القرآنية ليتخيل أنه يسبح فوق نهر من لبن.

ونشر الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق تدوينة مطولة عن مشايخ وقراء القرآن الكريم في مصر، قال فيها إن المكتبة المصرية حوت العديد من الكتب الماتعة التي تناولت القراء المصريين, لعل من أشهرها كتاب الراحل محمود السعدني بعنوان: ألحان السماء الذي طبع للمرة الأولي سنة 1959م, وحوى قصصا ممتعة عن العديد من قراء الجيل الذهبي في مصر لا يعرفها سوى مؤلف الكتاب بعدما صحبهم في حياته لأيام طويلة, وسجل كل ما وصل إليه من حكاوي وقصص.

وهناك كذلك كتاب الإذاعي أحمد همام بعنوان: سفراء القرآن الكريم الذي تناول فيه السيرة الذاتية لستة عشر مقرئا من مشاهير -حسب تعبيره- دولة التلاوة في مصر, حيث تناول المؤلف رحلتهم مع القرآن حتى صاروا نجوما تتلالأ في المجتمع المصري.

وهناك كتاب: عباقرة التلاوة في القرن العشرين للصحفي شكري القاضي, وتطرق الكتاب لقراء لم يتحدث عنهم أحد قبل ذلك واعتبرهم المؤلف قراء عظامٍا مثل: الشيخ محمود البيحرمي, ومحمد محمود رمضان, والشيخ محمود أبو السعود, أما الجزء الأخير في الكتاب فحوى قائمة بأسماء القراء والمبتهلين المعتمدين في الإذاعة المصرية, وهي وثيقة مهمة توثق العديد من الأسماء التي ضاعت في صفحات التاريخ.

تضم مدرسة التلاوة المصرية العديد من الأسماء البارزة التي تعدت في شهرتها حاجز الزمان والمكان, فهناك الشيخ محمود علي البنا الذي تناولت سيرته الشخصية ابنته الكاتبة آمال البنا, تحت عنوان: صوت تحبه الملائكة وقد ولد الشيخ في قرية شبرا باص مركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية شمال مصر يوم 17 من شهر ديسمبر سنة 1926, وحفظ القرآن الكريم في كتاب القرية على يد الشيخ موسى المنطاش, وأتم حفظه وهو في الحادية عشرة, ثم انتقل إلى مدينة طنطا لدراسة العلوم الشرعية بالجامع الأحمدي, وتلقى القراءات فيها على يد الإمام إبراهيم بن سلام المالكي, كما درس الشيخ علوم المقامات, والموسيقى على يد الحجة في ذلك المجال الشيخ درويش الحريري, ولقب بسفير القرآن لكثرة سفره لمختلف الدول العربية وبعض الدول الأوروبية لقراءة القرآن بصوته الجميل, وأعتبر قارئا لجمعية الشبان المسلمين عام 1947م, وكان يفتتح كل الاحتفالات التي تقيمها الجمعية, وانضم إلى الإذاعة المصرية في عام 1948حيث بدأ بقراءة ما تيسر من سورة هود, وتوفي الشيخ الجليل في عام 1985، ودفن في ضريحه الملحق بمسجده في قريته التي نشأ بها.

وهناك الشيخ عبد الباسط عبد الصمد, صاحب الحنجرة الذهبية, وقد نشرت سيرته الشخصية في كتاب من تأليف الدكتور زكريا, بعنوان: صوت من السماء, وقد قدم له الإمام الأكبر شيخ الأزهر السابق الدكتور محمد سيد طنطاوي, وولد الشيخ في عام 1927 م بقرية المراعزة التابعة لمدينة أرمنت بمحافظة قنا, وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ محمد الأمير شيخ كتاب قريته, كما أخذ القراءات على يد الشيخ المتقن محمد سليم حمادة, انضم الشيخ للإذاعة المصرية سنة 1951حيث قرأ ما تيسر من سورة فاطر, وعين قارئا لمسجد الإمام الشافعي سنة 1952 ثم لمسجد الإمام الحسين سنة 1958 خلفا للشيخ محمود علي البنا, وكان من المجاهدين لإنشاء نقابة للمقرئين, وتم تعيينه أول نقيب لها سنة 1984، وانتقل الشيخ إلى جوار ربه عام 1988.
وهناك الشيخ محمد رفعت بن محمود بك، ومحمد رفعت اسم مركب, ولد في حي المغربلين بالدرب الأحمر بالقاهرة عام 1882 وهو أول من افتتح الإذاعة المصرية في 31 مايو من عام 1934, بقوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الفتح:1], وقد عرف الشيخ القارئ بالعديد من الألقاب منها قيثارة السماء, وكروان الإذاعة, والصوت الذهبي, والصوت الملائكي. توفي الشيخ في عام 1950 في نفس يوم مولده عن عمر يناهز 68 عاما، وذلك بعد إصابته بالأمراض العضال في السنوات الأخيرة من عمره, نعته الإذاعة المصرية عند وفاته قائلة: أيها المسلمون فقدنا اليوم علما من أعلام الإسلام.

ومن مشاهير مدرسة التلاوة المصرية, الشيخ القارئ محمود خليل الحصري, الذي اشتهر بقراءته المتماثلة في دقتها بالوحي المنزل على سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, وهو من القراء القلائل الذين تركوا تراثا ضخما من التسجيلات المسموعة حيث سجل القرآن كاملا مرتلا للإذاعة المصرية عام1961، كما ترك تسجيلات أخرى للمصحف المرتل بروايات مختلفة حفص, وورش عن نافع، وقالون عن نافع, والدوري, ثم المجود, فضلا عن المصحف المعلم, كما ترك العديد من المؤلفات المطبوعة حول أحكام التجويد والتلاوة مثل: أحكام قراءة القرآن الكريم, والقراءات العشر من الشاطبية والدرة, وأحسن الأثر في تاريخ القراء الأربعة عشر, بالإضافة إلى كتاب يحكي فيه بعضا من سيرته الشخصية تحت عنوان: رحلاتي في الإسلام.

هذه الأسماء الأربعة هي فقط مثال وليست حصرًا للقراء المصريين, فهناك أسماء أخرى كالشيخ: صديق المنشاوي, والشيخ أبي العينين شعيشع, والشيخ مصطفي إسماعيل وغيرهم, وهم معًا رسموا المعالم الأساسية للمدرسة المصرية في تلاوة كتاب الله والتي ستظل منبرا لصوت الإسلام وواحة للآذان المتعطشة للتمتع والأنس بكلام الله سبحانه وتعالى.

اضافة تعليق