د. عمرو خالد يكتب: «لعلكم تتقون».. صيامك ليس جوعًا.. صيامك تقوى

الثلاثاء، 14 مايو 2019 01:28 م
اسليدر-د-عمرو

البعض يرى أن الغاية من الصيام هي تأديب النفس وتهذيبها وأن يجعلها تعتاد الصبر، وذلك في الامتثال لأمر الخالق سبحانه، والامتناع عن شهوتي الطعام والجنس من وقت صلاة الفجر إلى المغرب.


وهناك من يرى أن الغاية من الصوم أن يستشعر الغني حال الفقير في صيامه، بينما هناك من يذهب إلى الحديث عن الفوائد البدنية من وراء الصوم، حيث إن "المعدة هي بيت الداء" كما يقولون، إذن فالتوقف عن الأكل يفيدها ولا يضرها.

 

لكن الغاية الأسمى والأعظم من تلك الفريضة التي ألزم الله بها المسلم، وجعلهًا ركنًا من أركان الإسلام الخمس، لا يصح إسلام المسلم بها.. هي "التقوى"، يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 183].

فالصوم ليس في جوهره هو التجويع، كما هو الظاهر لنا، وحاشاه سبحانه أن يجعل طاعته مقترنة بعذاب الفرد والتسبب في آلام للإنسان، لكنه يريد بالصوم الارتقاء بالنفس وتهذيبها، وحتى لا تعتاد المعصية، وتألفها.

 

والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي الحجاب الذي يكون بين الإنسان وكل قول أو فعل يغضب الله ويهوي بصاحبه في النار، ويكون ذلك بفعل الطاعة، ابتغاء مرضاة الله وترك المعصية خوفًا من غضبه.

والتقوى هي أصل العلاقة بين العبد وربه، ولا تكون في العبادة فقط، بل في كل أمر من أمور الحياة، إذا غابت عن أي عمل، افتقد الشرط الأساسي لقبوله، فهناك من يهتم بالمظهر والشكل الخارجي أكثر من اهتمامه من باطنه، والنبي يقول: "التقوى هاهنا" (مشيرًا إلى صدره)، دليل على أنها موجودة في القلب ولا يطلع عليها سواه. 

وفي الحديث "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".. لذا فإن جائزة رمضان هي التقوى "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، لكننا في هذه الأوقات نجد من يفتن المسلمين بحسن دينه وسوء خلقه، ولذلك فإن المتقي غالٍ عند الله عز وجل وفي معيته.

ولما رضي الله عز وجل عنهم جعل يعلمهم شيئًا لايعلمه لغيرهم: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ"، وكانوا في معيته: "وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"، يرزقهم الطمأنينة ويذهب عنهم الخوف: "فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ".

جزاء التقوى هو الجنة: "تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً".. المتقين وفد الرحمن: "يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً".. تزيد الرزق: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ..."، عندما تعجز عن حل مشكلة سيفتح لك بابًا للخروج منها: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا". 

هناك تعريفات كثيرة لـ"التقوى"، لكن التعريف القريب إلى الصواب هو: أن يجدك الله حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك، وهذا أمر سهل على كل واحد منا أن يقيس حياته وفق هذا المقياس.. عندما يذهب إلى مكان يقول: هل يراني الله الآن حيث أمرني أم لا؟ 

غير أن هناك من يقول: لا أستطيع أن أكون طوال اليوم هكذا، لذا من رحمة الله عزوجل بنا أنه تعالى يقول "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ".. بقدر المستطاع كن من المتقين، ولتكن التقوى هي الغالبة على عملك بنسبة 70 أو 60% طوال اليوم. 

لم يتوقف الحديث عند قوله صلى الله عليه وسلم " اتق الله"، لكن "اتق الله حيثما كنت"، في كل مكان، أو بلد، مع أي شخص، وفي أي زمان ليلاً ونهارًا.. كن في تقوى لله.. فالنبي يجعل التقوى مبدأ لا يتجزأ في حياتك. 

"واتبع السيئة الحسنة تمحها"، إذ لايعني أنك تتقي الله أنك لا تخطئ، فالخطأ وارد "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ"، لذلك اتبع السيئة الحسنة تمحها.. إذا أخطأت فلاتيأس. افعل الحسنة لتمحها.

سأل عبد الله بن رواحة النبي صلي الله عليه وسلم فقال: "أوصني" يا رسول الله.. فقال له: ياعبد الله "لا تـيـأس"، وإن أسأت تسعًا أن تُحسن واحدة فالحسنة بعشر أمثالها فيقبلك الله عز وجل. 

هناك قانون اسمه قانون الإزاحة.. كلما أكثرت من فعل الخير يزول الشر، وهذا القانون له سند دينى قرآني هو قول الله تعالى: "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ"، فالله لايطرد أحدًا من رحمته، فلاتيأس مهما أخطأت في حياتك. تفاءل وتقدم نحو النجاح. 

ولم يأمر الله تعالى في القرآن، العبد المؤمن بالاستزادة من شيء إلا بالاستزادة من التقوى: "وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى"، والإنسان في أسفاره يتزود بكل ما يضمن له الحفاظ على حياته، وبما يعينه على قطع المسافات الطويلة من دون أن يهلك، وحري به أن يتزود للحياة الأبدية، التي لا فناء فيها. 

والصيام بربي النفس الإنسانية على أن تترك بعض المباحات لساعات طويلة من اليوم، وليس ذلك إلا طاعة لله، وإذا كان المسلم يفعل ذلك استجابة لأمر الله تعالى، فإنه من باب أولى يترك المعصية التي تستوجب غضب الخالق في كل وقت وحين.

ولو لم يكن للصوم ذلك التأثير على النفس، فيكسر جموحها ويحد من الشهوات لديها، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشباب غير القادر على الزواج أن يصوم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه لو وجاء"، أي وقاية".

وشهر رمضان يمثل للفرد المسلم فرصة ذهبية لأن يعيد حساباته مع نفسه في كل شيء، فإن كان مقصرًا في العبادات، عليه أن يستعين بالله قاطعُا على نفسه عهدًا أمامه، بأن يلتزم بكل أفعال الطاعات من غير تقاعس أو تقصير، وإن كان طائعًا غير مقصر زاد من وجوه الخير، وحفز نفسه على كل أعمال الطاعات التي تجعله إلى الله أقرب.

والنبي صلى الله عليه وسلم يحدد الهدف من مشروعية الصوم في قوله: "مَن لم يدَعْ قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدَع طعامه وشرابه"، فلا ينطق الصائم إلا صدقًا، ولا يشهد إلا عدلاً، ولا يقول إلا ما يرضي ربه، وهذا في حقيقته يندرج في سياق الغاية الأساسية من الصوم وهو "التقوى".

ورُوي عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أنه قال: "إذا صُمتَ فليَصُم سمعُك وبصرك ولسانك عن الكذب والمَحارم، ودعْ أذى الخادِم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامِك، ولا تجعل يوم فطرك وصومك سواءً".
 

اضافة تعليق