تاريخ "موائد الرحمن".. للخير جذور فلا تقطعها

الثلاثاء، 14 مايو 2019 11:16 ص
تاريخ موائد الرحمن


تعد "موائد الرحمن" من أهم المظاهر التي تشهدها مصر في شهر رمضان المبارك، وتعكس الكرم والجود والترابط الاجتماعي بين المصريين، كما تعكس مدى حرص الميسورين على إطعام الفقراء الصائمين، استجابة لله عز وجل في قوله تعالى "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)".

ويعود تاريخ موائد الرحمن في مصر إلى عهد أحمد بن طولون والذي يعد أول من أقامها، كان يقوم بجمع كبار التجار والأعيان في مصر في أول يوم من شهر رمضان على الإفطار، ثم يلقي عليهم خطبة يذكر لهم فيها، أن الغرض من المائدة هو أن يذكرهم بالإحسان والبر بالفقراء والمساكين.

أمر بن طولون أن تظل هذه المائدة موجودة طوال شهر رمضان، كما طلب من التجار وكبار الأعيان أن يفتحوا منازلهم، ويمدوا موائدهم للمحتاجين، وفي عهد الفاطميين أطلق على موائد الرحمن "سماط الخليفة"، حيث كان العاملون في قصر الخليفة يقومون بتوفير مخزون كبير من الطعام، ليكون كافيًا لأكبر عدد ممكن من المصريين.

ونقلت قناة "العربية" عن الدكتورة سامية خضر أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس إن موائد الرحمن أصبحت عادة مصرية، حيث تهدف إلى أن يتوفر للفقراء والمساكين كل أنواع الطعام والمشروبات التي لا تتوافر لهم طوال أيام السنة، ولذلك يحرص القائمون على تنظيم موائد الرحمن على توفير كل العناصر الغذائية من اللحوم والمشروبات والحلويات.

وأضافت أن موائد الرحمن أصبحت تمثل ظاهرة راقية حيث تجمع طبقات مختلفة من المجتمع في نفس المكان، لتعطي مثالا ونموذجا للتآزر والتآخي والمساواة، مشيرة إلى أن الكثير من الأقباط يعملون على توفير موائد الرحمن في شهر رمضان للمسلمين، وهو ما يمثل حالة السلام والترابط بين المجتمع، ويزيد من الترابط والقوة والشراكة بين نسيجيه.

وذكرت أستاذة علم الاجتماع أن موائد الرحمن كانت تتركز قديماً بجوار المساجد العريقة مثل مسجد الحسين والسيدة زينب والأزهر، وذلك لتوافر أعداد كبيرة من التجار في هذه المناطق، لكن مع مرور السنوات بدأت بعض الهيئات في مصر على توفير موائد الرحمن مثل وزارة الأوقاف والجمعيات الخيرية والأهلية، كما تشرف وزارة الصحة على مراقبة ما يقدم في هذه الموائد من أطعمة ومشروبات حرصا على سلامة المترددين عليها.

روابط إسلامية

وتشكل موائد الرحمن مجموعة من الروابط الإسلامية في الاجتماع بين المسلمين على مائدة واحدة، حيث لا تُقدّم هذه الموائد الطعام فقط، بل هذا الجو الرمضاني الذي يسوده الروحانيات والحميمية، والذي يشكّل مناخاً طيباً لاكتساب المودة والمحبة والتعارف استجابة لقوله تعالى " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" من أناس قد لا تعرفهم، لكنك تستأنس بهم، وتسعد بمجاورتهم على تلك الموائد خلال الشهر الفضيل.

وجاءت تسمية تلك الموائد بـ”الرحمن” من سورة المائدة، حيث أنزل الله على سيدنا عيسى بن مريم مائدة طعام من السماء لتكون آية للعالمين، كذلك فإن اسم “الرحمن” يحثّ على التراحم والمودة بين المسلمين، حيث إن المودة تُعتبر الهدف الرئيسي لتلك الموائد، وقد انتشرت موائد الرحمن بكثرة في مصر خلال القرن الأخير، وصارت متنفّساً للفقراء يتناولون فيها الطعام، وساحة تنافس بين الأغنياء لتقديم ما لذّ وطاب في موائدهم، ومن أشهر موائد الرحمن التي تُقام في مصر: مائدة الأزهر، والتي يفطر عليها ما يقرب من أربعة آلاف صائم يومياً، ومائدة الحسين، ومائدة السيدة زينب، ومائدة ميدان رمسيس التي يقيمها مسجد الفتح، وتظل مفتوحة طوال العام.

وكانت الموائد تُعدّ في عهد الفاطميين تحت اسم “دار الفطرة”، وتُقام بطول 175 متراً وأربعة أمتار، ومن أشهر أصحاب الموائد في تلك الفترة “الأمير بن الضرات” المولود بحي شبرا بالقاهرة، حيث كان ينفق على موائده ما يقرب من مليوني دينار سنوياً، والتي كانت بطول خمسمائة متر، ويجلس على رأسها، وأمامه ثلاثون ملعقة من البلور، يأكل بكل ملعقة مرة واحدة ثم يلقي بها ويستخدم غيرها.

وفي العصر الحديث ومنذ عام 1967، تولى بنك ناصر الاجتماعي الإشراف على موائد الرحمن بشكلها الحالي، والتي ينفق عليها من أموال الزكاة، هذا بجانب الموائد التي تقيمها الجمعيات الخيرية والإسلامية، ويشرف عليها رجال الدين.

وقد تطوّرت مائدة الرحمن في العصر الحديث لتتواكب مع متغيّرات العصر، وتحوّلت من مائدة يوضع عليها الطعام ويأتي إليها الصائمون لتناوله، إلى وجبات تُعدّ وتُرسل إلى الفقراء في البيوت، أو تُوزع على المستشفيات ودور الأيتام والمسنين، وأيضاً تُقدّم للمارة في الشوارع في وقت الإفطار.

وأفادت دراسة أجرتها جامعة الأزهر، أن موائد الرحمن في القاهرة وحدها تتكلف ما يزيد على مليار جنيه، وهذا ما يساوي ما تنفقه المحافظات الأخرى، مجتمعة على تلك الموائد في شهر رمضان.

وأشارت الدراسة إلى أن عدد المواطنين الذين يستفيدون من موائد الرحمن يبلغ ثلاثة ملايين شخص يومياً، مع العلم بأن الجهات أو الأشخاص الذين يقومون على تنظيم تلك الموائد يصل إلى عشرة آلاف جهة أو طرف.

ويجتذب شهر رمضان الفضيل بروحانياته وطقوسه الخاصة، ومنها موائد الرحمن السائحين الأجانب، فكان التجهيز لإعداد موائد الإفطار الرمضانية أكثر الأشياء التي تجذب أنظار الأجانب، حتى إن البعض منهم يقبل على الجلوس إلى موائد الرحمن، وتناول الطعام مع الصائمين، للاستمتاع بهذا الجو الذي يسوده التراحم والمودة والإخاء.

اضافة تعليق