وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِين.. مكامن القدرة وأسرارها

الإثنين، 13 مايو 2019 12:57 م
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِين



يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ".

يعطي الله سبحانه وتعالى المثل الأعلى فى الخلْق؛ لأن خَلْق السماوات والأرض مسألة كبيرة، «لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس...» غافر: (57) فالناس تُولَد وتموت وتتجدد، أمّا السماء والأرض وما بينهما من نجوم وكواكب فهو خلْق هائل عظيم منضبط ومنظوم طوال هذا العمر الطويل.


ويفسر الإمام الراحل محمد متولي الشعراوي الآية، بأنه لم يطرأ عليه خَلَل أو تعطُّل، والحق سبحانه لا يمتنُّ بخَلْق السماء والأرض وما بينهما؛ لأنها أعجب شيء، ولكن لأنها مخلوقة للناس ومُسخَّرة لخدمتهم، فالسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وهواء ومطر وسحاب والأرض وما عليها من خَيْرات، بل وما تحتها أيضاً (وَمَا تَحْتَ الثري) ( طه: 6)، الكل مخلوق لك أيها الإنسان، حتى ما تتصوره خادماً لغيرك هو فى النهاية يصبُّ عندك وبين يديك، فالجماد يخدم النبات، والنبات يخدم الحيوان، وكلهم يخدمون الإنسان.

وقال الشعراوي إنه إذا كان الإنسان هو المخدوم الأعلى فى هذا الكون فما عمله هو؟ وما وظيفته فى كون الله؟ فكل ما دونك له مهمة يؤديها فما مهمتك؟ قائلا: "إنْ لم يكن لك مهمة فى الحياة فأنت أتفه من الحيوان، ومن النبات، حتى ومن الجماد، فلابد أنْ تبحثَ لك عن عمل يناسب سيادتك على هذه المخلوقات".


وتساءل الشعرواي في تفسيره "ثم هل سخَّرْتَ هذه المخلوقات لنفسك بنفسك، أم سخَّرها الله وذلَّلها لخدمتك؟ فكان عليك أن تلتفت لمن سخَّر لك هذه المخلوقات وهى أقوى منك، ألك قدرة على السماء؟ أتطول الشمس والقمر؟".


يقول تعالى «إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولا ...» (الإسراء: 37)، وتعني الآية إنه يجب عليك أن تبحث بعقلك فيمَنْ سخَّر لك هذا كله، كان عليك أنْ تهتدى إلى الخالق للسماء والأرض وما بينهما، لأنه سبحانه ما خلقها عبثاً، ولا خلقها للعب، إنما خلقها من أجلك أنت، لذلك يقول سبحانه فى الحديث القدسي: (يا ابن آدم، خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُك من أجلى، فلا تنشغل بما هو لك عمن أنت له)، فالكون مملوك لك، وأنت مملوك لله، فلا تنشغل بالمملوك لك عن المالك لك.
وقال الشعراوي في تفسيره إن الحكمة من خَلْق السماء والأرض أن هذه المخلوقات لولاها ما كُنَّا نستدل على القوة القادرة وراء خَلْق هذه الأشياء، وهو الخالق سبحانه، فهي - إذن - لإثبات صفات الجلال والجمال لله عز وجل.


فقد خلق الله هذا الخَلْق من أجلك، وتركك تربَع فيه، وخلقه مقهوراً مُسيَّراً، فالشمس ما اعترضتْ يوماً على الشروق، والقمر والنجوم والمطر والهواء والأرض والنبات كلها تعطى المؤمن والكافر والطائع والعاصي؛ لأنها تعمل بالتسخير، لا بالإرادة والاختيار، أما الإنسان هو المخلوق صاحب الاختيار فى أن يفعل أو لا يفعل.


وقسم الشعراوي الكون إلى قسمين: قسم لا دَخْلَ لك فيه أبداً، وهذا تراه منسجماً فى نظامه واستقامته وانضباطه، وقسم تتدخل فيه، وهذا الذى يحدث فيه الخَلَل والفساد.


قال الحق سبحانه وتعالي ( والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم * والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم * لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس: 38-40).

اضافة تعليق